الثلاثاء، 26 يناير 2021

هدية غالية من رفيق عزيز ضمن مجموعة مراكش 1984*حسن احراث*

 هدية غالية من رفيق عزيز ضمن مجموعة مراكش 1984

معلوم أن مجموعة مراكش (44 معتقلا سياسيا) اعتقلت إثر انتفاضة يناير الشعبية سنة 1984. ومعلوم أيضا أن هذه المجموعة قدمت شهيدين إثر إضراب بطولي عن الطعام تجاوز الستين يوما، وهما بوبكر الدريدي ومصطفى بلهواري. هناك أمور كثيرة معروفة حول مجموعة مراكش 1984، لكن رغم ذلك هناك أمور كثيرة أيضا غير معروفة. ومن هنا واجب التعريف بتفاصيل تجربة المجموعة ونضالاتها وتوثيقها. والأمر لا يهم فقط هذه المجموعة، بل كل المجموعات وكل حالات الاعتقال السياسي الفردية والجماعية. إن غياب التوثيق ساهم في "اندثار" عدة تجارب رائدة وغيب دروسها وإشعاعها. ويعود جزء كبير من المسؤولية الى المناضلين المعنيين بها.
ومناسبة هذه التوطئة المختصرة هدية من رفيق عزيز ضمن مجموعتنا، مجموعة مراكش 1984. اليوم، 25 يناير 2021، قدم لي رفيقي كمال سقيتي (KAMAL SKITI) وثيقة بخط يدي تهم معركة الشهيدين الدريدي وبلهواري تعود الى 25 نونبر 1984. وثيقة/رسالة ما كنت أظن أنها على قيد الحياة، بسبب ظروف الاعتقال الصعبة رغم وجودنا بالمستشفيات من جهة أولى، ومن جهة ثانية وجودنا بمستشفيات متفرقة (مراكش واسفي والصويرة)، ومن جهة ثالثة مرور أزيد من 36 سنة عن تحريرها. ألف تحية وتقدير للرفيق كمال، وكل الشكر على الهدية القيمة التي بدون شك تقدم صورة عن مرحلة فاصلة من مراحل معركة الشهيدين البطلين بوبكر ومصطفى. وإنها دعوة صادقة الى جميع المناضلين لتوثيق التجارب النضالية، سواء كانت تجارب اعتقال أو تجارب نضالية أخرى...
فيما يلي نص الوثيقة/الرسالة:
"25/11/84
رفاقنا في الصويرة ومراكش:
تحية نضالية:
بعد توصلنا بوجهة نظركم (الرفاق في مراكش) فيما يخص الأسلوب النضالي اللازم في الظرف السياسي الحالي، توصلنا كذلك بخبر عدم دخولكم في إضراب الأسبوع (20-26/11/84) الذي تم الاتفاق عليه سابقا. فعندما طرح التأجيل، فسواء دخلنا في الإضراب أم لا، فليس لدينا الوقت الكافي لتبادل الرأي (توصلنا بالتأجيل يوم 15/11/84). ولذلك كان دخولنا وفق التاريخ المحدد من طرف رفاقنا بالصويرة.
للأسف حصل ما قد توقعناه، وتم توقيفنا للإضراب في حين علمنا بالخبر (مباشرة بعد نهاية مدة الزيارة -12.30/14.00-) مراعاة منا لعامل الوحدة) كان يجب على الأقل استمرارنا الى غاية 12.00 ليلا ونكون بذلك قد دخلنا في إضراب لمدة 72 ساعة بدل أسبوع بدعوى تنبيه المسؤولين اتجاه وضعنا داخل المستشفى ونقلنا الى مراكش قصد العلاج الضروري).
إذ لا يلدغ المؤمن من الجحر مرتين، فقد أصبح ضروريا ضبط أشكال تنسيقاتنا وبشكل مسؤول حتى لا نسقط فيما هو أفدح وخاصة أننا مقبلين على ما هو أصعب.
أيها الرفاق:
إن وضعنا داخل المستشفى أصبح يسير من سيء الى أسوأ:
- الحرمان من الشمس منذ توقيفنا للإضراب مرحليا
- النقص في الوجبات وخاصة في الآونة الأخيرة
- غياب أطباء اختصاصيين
- الحرمان من الكتب (إلا ما جاد به الرفاق -10- الموجودين في السجن) والمجلات والجرائد والراديو.
- استفزاز عائلاتنا وبشكل دائم.
- قصر وقت الزيارة (ساعتين) ويومين في الأسبوع فقط.
رغم هذا فالمهم بالنسبة الينا هو ما جئنا من أجله الى المستشفى وسقط شهيدان عزيزان من أجل فرضه.
من خلال وجهة نظركم (الرفاق بمراكش)، كان فعلا صحيحا دخولنا في الإضراب من داخل السجن ويبقى المستشفى لاسترجاع بعض القوة والتفكير مليا في آفاق معركتنا التاريخية والبطولية، وإذ أقول هذا أقول كذلك باحتمال تشتيتنا على السجون من منظار إسكات كل مجموعة بما يتوفر عليه كل سجن مع العمل على قطع حبال الاتصال فيما بيننا. ولذا وجب التفكير في ما العمل حين مفاجأتنا بقراراتهم، بمعنى كيفية تصريف الصيغة المقترحة سابقا (مع مراعاة حالة الرفيقين الانصاري والسد اللذين لم يبق على انتقالهما الى السجن الكبير سوى شهرين تقريبا). أما رفاقنا بالصويرة، فإننا نجهل تماما وجهات نظرهم فيما يتعلق بنوعية الخلاف الحاصل حول الصيغة النضالية الأخيرة وخاصة أنه تم الاتفاق عليها سابقا.
وإذ نوجه رسائلنا الى مراكش، فباعتباركم أقرب منا بالعائلات والمناضلين لإيصال مقترحاتنا لرفاقنا بالصويرة.
اقتراح:
- ممارسة الصيغة المقترحة سلفا في حالة نقلنا الى السجن قريبا (إضراب لامحدود بعد إضراب إنذاري مع بيان للرأي العام الوطني والدولي) هذا في حالة نقلنا كمجموعة وعدم تحقيق مطالبنا كاملة.
- في حالة بقائنا في المستشفى أكثر من شهر، نمارس نفس الصيغة وخاصة في غياب حوار جاد ومسؤول وتمادي المسؤولين في التعنت اتجاه أوضاعنا داخل المستشفى.
- في حالة تشتيتنا على السجون، فبعد وضع الترتيبات الضرورية نمارس نفس الصيغة مع التشبث بالجمع كشعار أساسي، ودائما في حالة عدم تحقيق مطالبنا.
اقتراحي هذا أيها الرفاق جاء في إطار تبادل وجهات النظر والمقترحات للسير بقضيتنا نحو الأمام وبخطى سديدة، إنها مسيرة حتى النصر.
إضافات:
* بخصوص وضعيتنا داخل المستشفى استقر رأينا (الرفاق الأربعة) على:
- كتابة بيان للرأي العام الوطني والدولي موقعا من طرفنا كمجموعة فيما يتعلق بأوضاعنا داخل المستشفى وخاصة باسفي والصويرة وإهمال المسؤولين لقضيتنا.
- كتابة رسائل الى المسؤولين المحليين
- تحرك العائلات وبشكل جماعي واتصالهم بالمسؤولين.
* تكثيف نقاشاتنا مع العائلات من أجل:
- تصليب جبهتهم ورص صفوفهم
- حثهم على التحرك الجماعي وتجاوز ما هو ثانوي
- تعميق فهمهم لمساندتنا ووضع نضالاتهم في الإطار الصحيح أي اعتبارنا معتقلين سياسيين وليس لأننا أبناءهم فقط
رفيقكم أحراث
نشد على أياديكم"
ملاحظات:
- حافظت على النص كما هو باستثناء تصحيحات نحوية طفيفة (النص الكامل وبأخطائه مصور رفقته)؛
- عشنا محنة التنسيق الذي كان يتم عبر العائلات فقط، ومن زيارة الى أخرى وعبر ثلاثة سجون/مستشفيات (مراكش واسفي والصويرة)؛
- شخصيا، كنت باسفي الى جانب الرفاق محمد فخر الدين غندي وجمال بنيوب وعثمان حاجي، بعد نقل الرفيق لحبيب لقدور الى مراكش بسبب مضاعفات صحية خطيرة؛
- أغتنم المناسبة لأصحح معلومة خاطئة متداولة كثيرا. يتردد أن الشهيد مصطفى بلهواري خاض عدة إضرابات عن الطعام واستشهد بالصويرة. الصحيح أن الشهيد مصطفى خاض إضرابا واحدا عن الطعام واستشهد إبانه باسفي. وكذلك الشهيد بوبكر، بدوره خاض إضرابا واحدا عن الطعام واستشهد إبانه بالصويرة؛
- بالصورة التي تجمع بعض عائلاتنا يوجد الرفيق كمال ضمن الواقفين..





الأحد، 24 يناير 2021

صور وذكرى من اعتقالات 1984

 37 سنة مرت على اعتقالي من داخل ثانوية الفتح بتاوريرت الحقوني بزنزانة بمقر الشرطة إلى جانب مجموعة من الرفاق تم الحكم علينا ابتداءيا بثلاث سنوات سجنا نافذا قضينا منها سنة واحدة بعد حكم الاستئناف 20 يناير1984.

عبد الرحيم الوافي



أجمل الأمهات التي انتفضت في وجه الجلاد.الرفيق حسن كمون

أجمل الأمهات التي انتفضت في وجه الجلاد.
تم اعتقالي في 22 يناير 1984 ليلا من طرف ثلاثة بوليس من الديستي DST من بينهم كوميسير. واجهتهم أمي رحمها الله بالسب و الشتم بالأمازيغية و هي متمسكة بمعصمي بقوة "لن تأخذوا سيدكم أيها الأعداء". لكن لما أدخلوني سيارتهم انهارت و سقطت أرضا. هذا المشهد هو الذي ألمني عشرات المرات أكثر من معاناة الإعتقال.
لترقد روحك في سلام أيتها الجميلة واسمحي لي أنشر صورتك لأول مرة عزيزتي.


الجمعة، 22 يناير 2021

البطيوي: لن أتصالح مع المخزن حتى يعتذر لي على ما سببه لي ولعائلتي من مآس

 البطيوي: لن أتصالح مع المخزن حتى يعتذر لي على ما سببه لي ولعائلتي من مآس



قال إن جزءا من الدولة يوظف راخا لقتله سياسيا
نشر في المساء يوم 28 - 07 - 2014

في كراسي الاعتراف تجري العادة أن يسرد المحاور حياته منذ أن رأى نور الحياة الأول إلى نهاية مساره الحياتي، لكن محمد البطيوي، آثر أن يسير ضد هذا المنطق، ويشرع في بناء الأحداث بالطريقة التي يراها هو مفيدة للتاريخ المغربي، أي أنه اختار أن يبدأ بلحظة عودته إلى المغرب بعد 27 سنة من حياة المنفى الاضطراري تارة، والاختياري تارة أخرى. في بروكسيل، يتذكر البطيوي قصته مع الاعتقال والتعذيب البشع الذي تعرض له بمدينة وجدة، بعدما ورد اسمه إلى جانب طلبة آخرين في اللائحة السوداء للمشاركين في إضرابات سنة 1984، ويتوقف طويلا عند تجربة المنفى وقصة هروبه من المغرب وعلاقته بمومن الديوي، أحد أبرز معارضي نظام الحسن الثاني، ويعود، فوق ذلك، إلى تفاصيل تنشر لأول مرة حول التنسيق الذي كان يجري خارج المغرب للإطاحة بالحسن الثاني.
- أعود لأسألك عن الأسباب الحقيقية التي أدت برشيد راخا، كما قلت سابقا، إلى الانقلاب عليك..
رشيد راخا ومن معه كانوا يريدون أن يقتلوا محمد البطيوي سياسيا وإقبار كل نضالاته، ولم ينجحوا في ذلك ولن ينجحوا، وأنا موقن أن بعض الجهات هي التي سخرتهم لتنفيذ هذا الهدف بدقة متناهية، لسبب بسيط وهو أن محمد البطيوي يتوفر على علاقات طيبة وعلى شبكة واسعة من العلاقات، ربما تخيف المخزن، وبدون أية مبالغة، فإن صوتي مسموع، ومصداقيتي يعرفها الجميع. ونتذكر في هذا الصدد أنني نظمت ندوة حول محمد بن عبد الكريم الخطابي، وحضرها أربعة وزراء من بينهم الوزير الأول في حكومة بروكسيل، والذين تربطني بهم علاقة صداقة.
- ما هي هذه الجهات؟
جزء من داخل الدولة يريد القضاء على تجربتي السياسية وهي الجهات نفسها التي تسخرهم للهجوم على أحمد الحليمي المندوب السامي للتخطيط، ومن سوء حظ هؤلاء وقعوا في خطأ لا يرتكبه إلا الهواة، حيث وضعوا وثيقة في الجريدة الرسمية البلجيكية يقولون فيها ما مفاده أنني قدمت استقالتي من التجمع العالمي الأمازيغي، وهو أمر غير صحيح بالمرة، فكل ما قاموا به هو أنهم زورا توقيعي من أجل السطو على التجمع. وطبعا رفعت دعوى قضائية لدحض كل هذه المزاعم ولإثبات واقعة التزوير التي تبدو بارزة لا غبار عليها، والتجمع كما تعرفون معترف به داخل بلجيكا ولذلك سأرفعها هنا.
- نقترب من نهاية حلقاتنا، نريد أن نسألك حول تقييمك لمغرب اليوم وأنت الذي عشت مرحلة الحسن الثاني بكل تناقضاتها؟
أنا دائما أحبذ أن أكون موضوعيا في كل التقييمات التي أقوم بها، خاصة وأنني أدرس في الاقتصاد، وفي الاقتصاد هناك أرقام وهناك مؤشرات، هي التي تحدد تقدم الدول من عدمه. في المغرب مازالت المؤشرات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية في حالة انحدار كما هو مبين في كل التقارير الدولية، كتقرير برنامج التنمية للأمم المتحدة. كان لدينا أمل كبير في السنوات الأربع الأولى من أن يحدث تقدم، خاصة وأنه كانت ثمة إشارات قوية من أن محمد السادس عازم على الإصلاح. لا أعرف ما الذي حصل في السنوات التالية، لكن من الأكيد أنه حدث نوع من التراجع الملحوظ. ولدي ملاحظة أساسية حول فترة حكم محمد السادس وهي وصول من أسميهم مهرجي العدالة والتنمية إلى الحكومة بالمغرب، بالرغم من أن أفكارهم المتزمتة وخطهم السياسي القائم على قتل قيم الاختلاف، وتكريس الفكر الواحد الذي لا يتناسب تماما مع ما يريده المغرب والمغاربة.
- سؤال أخير، متى ستطوي صفحة «الحرب الباردة» مع المخزن؟
سأكررها من جديد، حتى يعتذر لي عن كل ما فعله بعائلتي وعن المعاناة التي سببها لي في الداخل وفي الخارج، والتي لا يمكن بأي حال من الأحوال أن أنساها أو تمحى من ذاكرتي لأن حجم الألم الذي سببته لي ليس هينا كما قد يظن البعض. لا أريد أي شيء ولم أكن يوما في حاجة إلى تعويض مادي من جيوب المواطنين المقهورين، بل كل ما أريده أن يتم التصالح مع التاريخ بالطريقة التي أراها ضرورية لبناء مستقبل متين وليس مغشوشا. يريدون أن أعقد مصالحة مغشوشة. لا أبدا لن أسمح لنفسي، ولن تسمح لي عائلتي على هذا التعاقد غير العادل. وأقولها بصراحة، إذا اختار المغرب أن يسير في الاتجاه الصحيح وبدا له أنني سأكون واحدا من بين المساهمين في هذا المسار، سأكون أول الملتحقين بالمغرب لكن دون «تقوليب» ودون مؤامرات ودون حسابات ضيقة لن تنفعنا في شيء في نهاية المطاف. أكاد لا أصدق نفسي حينما أسمع محمد الصبار عضو المجلس الوطني لحقوق الإنسان يقول إنه لا توجد انتهاكات حقوق الإنسان بالمغرب، وهو الذي ذاق مرارة التعذيب، وناضل بقوة في سبيل مغرب ديمقراطي. مثل هذه المصالحات والتعاقدات مغشوشة من أساسها ولا يمكن، أنى كانت الظروف أن تسير بالمغرب في المسرى الصحيح، والذي نبتغيه جميعا. هل تعتقد على سبيل التساؤل الاستنكاري أن المغرب لا توجد به انتهاكات لحقوق الإنسان؟ في الغرب يعترف المسؤولون أن هناك انتهاكات وخروقات وبالأحرى المغرب، وبيان ذلك أن الدولة البلجيكية التي يضرب بها المثل في الديمقراطية حوكمت عدة مرات بسبب خرق حقوق الإنسان.

البطيوي: والدي أقنعني بالعودة إلى المغرب والبرلمانية المغربية ببلجيكا فتيحة السعيدي دفعت ثمن التذكرة

 البطيوي: والدي أقنعني بالعودة إلى المغرب والبرلمانية المغربية ببلجيكا فتيحة السعيدي دفعت ثمن التذكرة




خمن أن «المخزن» أخر الطائرة التي كانت ستقله من بروكسيل ليفشل حفل الاستقبال
نشر في المساء يوم 25 - 07 - 2014

في كراسي الاعتراف تجري العادة أن يسرد المحاور حياته منذ أن رأى نور الحياة الأول إلى نهاية مساره الحياتي، لكن محمد البطيوي، آثر أن يسير ضد هذا المنطق، ويشرع في بناء الأحداث بالطريقة التي يراها هو مفيدة للتاريخ المغربي، أي أنه اختار أن يبدأ بلحظة عودته إلى المغرب بعد 27 سنة من حياة المنفى الاضطراري تارة، والاختياري تارة أخرى. في بروكسيل، يتذكر البطيوي قصته مع الاعتقال والتعذيب البشع الذي تعرض له بمدينة وجدة، بعدما ورد اسمه إلى جانب طلبة آخرين في اللائحة السوداء للمشاركين في إضرابات سنة 1984، ويتوقف طويلا عند تجربة المنفى وقصة هروبه من المغرب وعلاقته بمومن الديوي، أحد أبرز معارضي نظام الحسن الثاني، ويعود، فوق ذلك، إلى تفاصيل تنشر لأول مرة حول التنسيق الذي كان يجري خارج المغرب للإطاحة بالحسن الثاني.
-أخبرت والدك أنك ستدخل المغرب في العام الموالي بعد أكثر من ربع قرن من حياة المنفى، هل كنت واثقا من القرار الذي اتخذته، وأنت لتوك قلت إنك أصبت بالإحباط بعد أن دخل الديوري وبعض المناضلين الآخرين وانخراطهم في هيئة الإنصاف والمصالحة؟
لا أخفيك أن الطريقة التي تحدث بها والدي، أشعرتني أن الوقت قد حان للدخول إلى المغرب إثر أكثر من 25 سنة من المنفى، عشت فيها لحظات مختلفة وقاسيت مرارة الغربة الحقيقية. بدأنا نحضر لإجراءات العودة إلى المغرب في شهر نونبر 2010، ولا أنسى أن فتيحة السعدي بالبرلمان البلجيكي هي التي أهدت لي التذكرة. قالت لي يومها إنها لن تسمح لي بدفع ثمن التذكرة، وأنها هدية بسيطة بسبب مساعدتي الدائمة لها على عكس كل ما يروج بأن المخزن هو الذي دفع ثمنها. لقد روج البعض أن المخزن تدخل بطريقة أو بأخرى للتأثير علي ما قبل العودة إلى المغرب، وهذا أمر غير صحيح بتاتا.
- لكن هذه الانتقادات يمكن أن تكون صحيحة إذا علمنا بأن موقفك من الدخول إلى المغرب كان جذريا، أنا شخصيا لم يقنعني كلام أن والدك هو الذي كان وراء عودتك إلى المغرب، ألم تكن والدتك مريضة أيضا وأمضت سنوات وهي طريحة الفراش بسبب الأزمات النفسية التي انتابتها بعد انتحار أخيك الأكبر عبد الحكيم؟
في الفترة التي كانت والدتي مريضة لم يكن من الممكن إطلاقا أن أعود إلى المغرب. كنت موقنا أن النظام بالرغم من أنه أخذ مبادرات كثيرة لإقناع معارضيه بالعودة إلى المغرب، فإنه لا يمكن أن يترك لك الحرية التي تبتغيها. إنها طبيعة النظام ولا يقدر أحد على إقناعي أن هذه الطبيعة تتغير، بالإضافة إلى أنه في تلك الفترة مازال حدث انتحار أخي الأكبر طريا في الذهن ولا يكاد يفارقني، وبالتالي كان حقدي على النظام بالمغرب متقدا أكثر من أي وقت مضى. لما مرضت والدتي وصلت إلى قناعة أساسية وهي أنه من المستحيل أن أظل هنا، وهو يسألني عن الدوام عن موعد رجوعي. أرى أن هذه أسباب كافية للقول إن العودة إلى المغرب لم يملها علي أحد بقدر ما كانت قرارا فرديا وشخصيا، أتحمل فيه كامل المسؤولية.
- متى رحلت عن مدينة بروكسيل؟
11 أبريل 2011 بالتحديد، وأذكر أن الطائرة التي كانت ستقلنا تأخرت ساعتين عن موعدها الأصلي، لا أعرف السبب الحقيقي وراء التأخير. لكن أدع ما حدث للتاريخ. قبل موعد الرحلة أخبرني أخي أن الناس والأصدقاء والعائلة ينتظرونني في مطار العروي بالناظور، وأجبته أنني لم أركب بعد من العاصمة البلجيكية. قال لي أخي أيضا إن عدد الذين حضروا لم يكن متوقعا، وفهمت أن الحملة التي قام بها الكثير من الأصدقاء على صفحات التواصل الاجتماعي قامت بدور فعال من أجل أن يحضر ثلة من أصدقائي وأناس لا أعرفهم إلى المطار. ولا ننسى أيضا أن الصحف المغربية والمواقع الإلكترونية كتبت عن موضوع عودتي إلى المغرب قبل شهر من موعد الرحلة. أخال أن السلطات تعمدت أن تؤخر الطائرة كي أبقى وحيدا في المطار، بصيغة أخرى راهنت على ملل الذين حضروا لكنها فشلت في ذلك فشلا ذريعا. ففي المطار وجدت هناك مختلف الأجهزة الأمنية المغربية وجاء «كوميسير» المطار شخصيا ليسلم علي، ووجدت أيضا يحيى يحيى، وعبد السلام بوطيب. لم أكن أتوقع بتاتا أن يحضر إلى المطار كل ذلك الحشد من الأصدقاء. بكل صراحة اندهشت من حجم الذين حضروا، وقلت لهم إنه حينما رحلت عن المغرب لم يكن هذا المطار موجودا، وقلت لهم أيضا إنني عدت لأرى والدي قبل أن تغتاله المنية.
- هل حضر والدك إلى المطار؟
لا لا، لقد كان مريضا ولم يستطع الحضور إلى المطار، وحينما وصلت إلى المنزل في حدود الثالثة صباحا وجدته مازال مستيقظا ينتظرني.
- لم يحاول أي أحد من السلطات أن يتصل بك بالمغرب؟
لم تكن هناك اتصالات مباشرة عدا أن بعض الأصدقاء تحدثوا إلي عما إذا كنت بحاجة لأي شيء قصد توفيره لي، لكن لم أقبل ذلك إطلاقا، لأن قناعاتي لم تتغير ومساري النضالي لم يتوقف بعد. لا تنس أنني أخبرتك في إحدى حلقاتك السابقة أنني سأبقى في حرب باردة مع المخزن ما لم يعتذر عن المضايقات التي تعرضت لها بمعية عائلتي، وعن انتحار أخي وموت والدتي. مهما يكن من أمر فدخولي إلى المغرب ليس نوعا من تقديم التنازل أو التخلي عن مواقفي السابقة أو حتى نضالاتي التي دشنتها بالمغرب وواصلتها ببروكسيل وباقي العواصم الأوربية. المبادئ بالنسبة لي لا تتزحزح ولا تتغير. الشرط الأساس لإعلان حسن النية هو تقديم الاعتذار، قبل الانخراط في أي مصالحة حقيقية.

البطيوي: قاضيت البصري وبوريكات أدلى بشهادته أمام قاضي التحقيق ببروكسيل

 البطيوي: قاضيت البصري وبوريكات أدلى بشهادته أمام قاضي التحقيق ببروكسيل



قال إن علاقته بالديوري ساءت بسبب توقيعه رسالة تحمل استعطافا للملك بغاية العودة إلى المغرب
نشر في المساء يوم 22 - 07 - 2014

في كراسي الاعتراف تجري العادة أن يسرد المحاور حياته منذ أن رأى نور الحياة الأول إلى نهاية مساره الحياتي، لكن محمد البطيوي، آثر أن يسير ضد هذا المنطق، ويشرع في بناء الأحداث بالطريقة التي يراها هو مفيدة للتاريخ المغربي، أي أنه اختار أن يبدأ بلحظة عودته إلى المغرب بعد 27 سنة من حياة المنفى الاضطراري تارة، والاختياري تارة أخرى. في بروكسيل، يتذكر البطيوي قصته مع الاعتقال والتعذيب البشع الذي تعرض له بمدينة وجدة، بعدما ورد اسمه إلى جانب طلبة آخرين في اللائحة السوداء للمشاركين في إضرابات سنة 1984، ويتوقف طويلا عند تجربة المنفى وقصة هروبه من المغرب وعلاقته بمومن الديوي، أحد أبرز معارضي نظام الحسن الثاني، ويعود، فوق ذلك، إلى تفاصيل تنشر لأول مرة حول التنسيق الذي كان يجري خارج المغرب للإطاحة بالحسن الثاني.
- مات الحسن الثاني، وقررت أن توجه مسار الدعوى القضائية لمتابعة إدريس البصري وزير الداخلية القوي في مملكته، لماذا لم تتخل عن ملاحقة المسؤولين المغاربة لأن كل ما كان يهمك هو الحسن الثاني نفسه؟
أنا لم أكن مثل الديوري، ولم أكن يوما مسكونا بعقدة الحسن الثاني، بمعنى آخر، كنت أرى النظام بكامله خصما لي، إذ لا أميز بتاتا بين مكوناته، وكنت أحمل له المسؤولية كاملة لما جرى لعائلتي، وبالتالي ما الفائدة أن أتخلى عن دعوى أريد أن أرد بها الاعتبار لجميع المغاربة الذين تورط النظام المغربي في تعذيبهم وتشريدهم. دعني أخبرك يبتسم ، أن الديوري كان في البداية موافقا على متابعة النظام المغربي، بل وأبدى حماسا منقطع النظير من أجل تمويل الدعوى وتوفير الإشعاع الإعلامي اللازم لها، لكن بعد وفاة الحسن الثاني أخبرته أنني سأتابع إدريس البصري، الشيء الذي أثار غضبه، ورفض رفضا قاطعا أن يسندني في الدعوى، وهذا دليل آخر على أن الديوري لم يكن همه يوما طبيعة النظام ولا من يتحكم فيه ولا من يسيره في الكواليس، بقدر ما كان يهمه اغتيال الحسن الثاني بأي وسيلة. أذكر أن الديوري قال لي بالحرف» أش ندير بهاداك، راه كان غير حمار كيدير داكشي ليقاليه الملك».
- لكن وجهت لك انتقادات حادة بكونك قدمت الدعوى القضائية بعد ثلاثة أيام فقط من إزاحة الملك محمد السادس لإدريس البصري من موقعه..
إنها انتقادات لا أساس لها من الصحة وبنيت على أحكام خاطئة وأصحابها، سامحهم الله، لم يتريثوا لتبين الحقيقة كاملة مما حدث. هل من الممكن أن تعد ملفا قضائيا تلاحق فيه مسؤولين مغاربة كبار في ظرف يومين أو شهر. بالفعل، مضيت في إكمال مساطري القضائية وعقدت ندوة صحفية للإعلان عن تفاصيل ملاحقة وزير الداخلية الأسبق إدريس البصري، ولحسن الحظ فإن الخبر جذب تغطية إعلامية غير مسبوقة، وأصبح عنوانا بارزا لتلك المرحلة، الأمر الذي دفع بالديوري للاتصال بي مرة أخرى لتهنئتي على الصدى الإعلامي الكبير الذي حظيت به قضيتي. قال لي: هل أنت بحاجة إلى أي مساعدة، وأجبته بغير قليل من الصرامة: أنت قررت أن تنسحب من الملف، إذن فلتبق بعيدا، ولا يمكنك أن تركب على الحدث لتظهر بأنك أنت من رتبت كل شيء.
- يبدو من الطريقة التي خاطبت بها الديوري أن علاقتكما بدأت تسوء سيما بعد أن قرر الانسحاب من ملف ملاحقة إدريس البصري..
صحيح، لا يمكن أن أخفي ذلك، فبالرغم من أنني كنت قادرا أن أدافع عن قضيتي وحدي، فقد آثرت أن يكون مساندا لي، لكن انسحابه أغضبني قليلا، لكن اللهجة التي حدثته بها لا علاقة لها أبدا بهذا الغضب. أنا أعرف الديوري جدا، وأعرف ماذا يريد، فحينما بدا له أن الإعلام تحدث بطريقة لم تكن متوقعة عن حدث ملاحقة البصري، حاول أن يحيط نفسه بذلك الزخم الإعلامي، وهو الأمر الذي رفضته. بعدها صدمت كثيرا لما رأيت رسالة وقعها كل من مومن الديوري وأحمد رامي تحمل في ثناياها استعطافا مبطنا للملك محمد السادس بغاية العودة إلى المغرب. على الفور اتصلت بالديوري، وسألته عما إذا كانت الرسالة التي رأيتها هو نفسه من وقعها، فكان جوابه بالإيجاب. كانت بالنسبة لي أن يوقع الديوري رسالة يريد من خلالها أن يعود إلى المغرب ناسيا كل مواقفه السابقة من الحسن الثاني، والتعذيب الذي تعرض له، والأموال الطائلة التي خسرها من أجل اغتيال الملك الراحل، كانت صدمة حقيقية لم أستوعبها بسهولة.
- هل يمكن القول إن علاقتكما انتهت عند هذه المكالمة؟
نعم قاطعته بصفة نهائية ولم أعد أكلمه.
- أين وصلت الدعوى القضائية التي رفعتها ضد البصري؟
أخذت مجراها الإداري، وحضر مدحت بوريكات، الذي أعتبره صديقا حقيقيا لي، ليدلي بشهادته في الملف المعروض على القضاء البلجيكي. وسبق لي أن استدعيت بوريكات ليحاضر ببلجيكا، ورافقني مرات عديدة إلى منزلي، أريد أن أقول إنه صديق بالمعنى الأصيل للكلمة. بعد عشر سنوات من وضع الدعوى القضائية، استدعيت إلى المحكمة من أجل النطق بالحكم في القضية، وقد كان في صالحي، حيث أقر القضاء البلجيكي أن ما تعرضت له ينتمي إلى باب انتهاكات حقوق الإنسان والجرائم ضد الإنسانية. بطبيعة الحال، فإن الأثر الجنائي المترتب عن المحاكمة لا يمكن أن ينفذ لأن البصري وقتها كان قد غادر الحياة، لكن قلت للصحافة يومها إن دولة صغيرة حققت لي حلما كبيرا. ولا تنس أن هذه المحاكمة تعد سابقة عدلية في التاريخ القضائي المغربي، فأن يتابع مسؤول مغربي كان يسير هياكل الدولة، ليس أمرا سهلا ولم يحدث يوما.
نعود إلى سنة 1999، هل انقطعت علاقتك نهائيا بمومن الديوري في تلك المرحلة؟
بعد دخوله للمغرب ظل يتصل بي بين الفينة والأخرى، ولم تعد العلاقة كما كانت، لكن واجب الصداقة بقي بيننا. كانت الاتصالات بيننا لا تتعدى الجانب الإنساني والسؤال عن أحوال الأهل والعائلة ولم نثر بتاتا الأمور السياسية.
- هل هناك من توسط مع الديوري للدخول إلى المغرب؟
يقينا، فرغم أنه كان يخفي وجود أي اتصالات بعد وصول الملك محمد السادس إلى العرش، فإنه كان يتفاوض مع ممثلين للنظام بالمغرب، وكانت هذه الاتصالات جارية بشكل مستمر، وأعتقد أن الديوري كان مستعدا نفسيا لدخول المغرب بعد رحيل الملك الحسن الثاني عدوه الأول.

البطيوي: أخي الأكبر انتحر كمدا من مضايقات نظام الحسن الثاني لعائلتي بسبب مواقفي بالخارج

 البطيوي: أخي الأكبر انتحر كمدا من مضايقات نظام الحسن الثاني لعائلتي بسبب مواقفي بالخارج



حكى أن أمه ماتت بسبب «الفقصة» وقال: «سأبقى في حرب باردة مع المخزن وأجهزته حتى يعتذر عما لحق بي»
نشر في المساء يوم 21 - 07 - 2014

في كراسي الاعتراف تجري العادة أن يسرد المحاور حياته منذ أن رأى نور الحياة الأول إلى نهاية مساره الحياتي، لكن محمد البطيوي، آثر أن يسير ضد هذا المنطق، ويشرع في بناء الأحداث بالطريقة التي يراها هو مفيدة للتاريخ المغربي، أي أنه اختار أن يبدأ بلحظة عودته إلى المغرب بعد 27 سنة من حياة المنفى الاضطراري تارة، والاختياري تارة أخرى. في بروكسيل، يتذكر البطيوي قصته مع الاعتقال والتعذيب البشع الذي تعرض له بمدينة وجدة، بعدما ورد اسمه إلى جانب طلبة آخرين في اللائحة السوداء للمشاركين في إضرابات سنة 1984، ويتوقف طويلا عند تجربة المنفى وقصة هروبه من المغرب وعلاقته بمومن الديوي، أحد أبرز معارضي نظام الحسن الثاني، ويعود، فوق ذلك، إلى تفاصيل تنشر لأول مرة حول التنسيق الذي كان يجري خارج المغرب للإطاحة بالحسن الثاني.
- الديوري أصبح مقتنعا تماما أن فرنسا لا يمكن أن تساعده على قلب النظام بالمغرب، وقد كان ذلك جليا حينما تم نفيه إلى الغابون رغم أن العلاقات بين فرنسا والمغرب كانت متوترة في تلك الفترة، سيجرب الديوري كما قلت التنسيق مع الأمريكيين، ما حدود هذا التنسيق، وهل اقتنع الأمريكيون بأفكار الديوري؟
أنا لا أعرف ما الذي حصل بالضبط في الولايات المتحدة الأمريكية، بيد أن زيارات الديوري إلى أمريكا أخذت منحى متسارعا في لحظة معينة، وكنت أدرك أن الديوري يخطط لمحاولة جديدة تنبأت لها بالفشل منذ البداية، فما يحركه لم تكن بواعث سياسية بل نفسية كما قلت لك سلفا، لذلك كان الفشل سيصيب أي مشروع يفكر فيه من أجل القضاء على الملك الحسن الثاني. تكونت قناعة أساسية لدى الديوري بأن فرنسا لن تساعده، بل ستمنع وستحاصر أي فكرة يمكن أن تفضي إلى تغيير النظام بالمغرب. الأهم أن الديوري التقى كلينتون بواشنطن، ولا أعلم حقا ما إذا كان قد أثار مسألة تغيير النظام معه، حيث لم يسبق له أن أخبرني بذلك.
- أعتقد أن ذلك حدث في سنة 1997، أي قبل سنتين فقط من وفاة الملك الراحل الحسن الثاني، هل كان الوقت أقوى من الديوري أم أن مخططاته كانت تبوء بالفشل دائما؟
ما أتذكره جيدا أن الديوري أصيب بالذهول من الطريقة التي تمت بها البيعة، إذ مرت بسرعة قياسية واستدعي مولاي هشام من أجل التوقيع عليها. لم يفهم أي شيء وكأنه رأى أحلامه تتبخر، وكل الأوهام التي بناها طيلة عشرات السنوات تبخرت جميعها، أعتقد أن العلاج بالصدمات مفيد جدا بعض الأحيان، فربما في تقديري كان حدث البيعة بمثابة الصدمة للديوري. لم ينجح الديوري في كل مخططاته، لأنه عول على أناس انتهازيين كان همهم الوحيد هو مراكمة الثروات مستغلين سذاجته السياسية بالرغم من أنه كان حاد الذكاء في الأمور التجارية، وكذلك بسبب، وكما أردد دائما، عدم قدرته على التخلص من عقدة أصيلة فيه اسمها الحسن الثاني. لقد كان في وسعه أن ينجح في محاولات كثيرة فكر فيها ودبر لها في مراحل مختلفة، لكن الأسباب التي ذكرتها حالت دون ذلك.
- قبل حدث البيعة، هل فكرت في العودة إلى المغرب أم اتخذت قرارك النهائي بعدم العودة؟
(يأخذ نفسا عميقا)، بل في تلك الفترة قررت بشكل قطعي ونهائي أن لا أعود إلى المغرب يوما، صرت أكثر حقدا عليه من ذي قبل.
- لماذا؟
في سنة 1998، انتحر أخي عبد الحكيم البطيوي، بعدما وصلت به درجة الحنق إلى أقاصيها بسبب الضغوطات الشديدة والقوية التي مارستها السلطات على عائلتي في المغرب، حيث كانت تضايقهم بشكل يكاد يكون يوميا، وكانت نشاطاتي بالخارج المناوئة للنظام هي السبب الرئيس وراء هذه الضغوطات.
لم يقدر أخي حكيم الذي كان هشا نفسيا، على تحمل الاستنطاق بصفة دورية بسبب ما كنت أعبر عنه من مواقف بالخارج، واستمر ذلك من بداية التسعينيات إلى غاية انتحاره، وأعتقد أن يوم انتحاره صادف شهر رمضان، حيث كان ينعزل في الطابق الثالث، وحينما اقتربت صلاة المغرب قدمت له العائلة وجبة الفطور، وبعد لحظات فقط رمى بنفسه ليموت في الحين. بصيغة أخرى، فالنظام بالمغرب كان وراء انتحار أخي، وأنا شخصيا أحمله كامل المسؤولية في تشريد عائلتي ودق إسفين عميق فيها، وحتى أمي مرضت مرضا شديدا بسبب كل هذه التقلبات وأصيبت ب«الفقصة» وانتهى بها الأمر إلى الموت، ودعني أخبرك أن المشهد الذي أثر كثيرا في والدتي هو رؤية أخي وقد كسرت عظامه وتهشم رأسه، والدماء تسيل من كل أنحاء جسده، إنه منظر بشع يجسد إلى حد بعيد غطرسة نظام الحسن الثاني.
ولذلك سأبقى دائما في حرب باردة مع المخزن وأجهزته، ولن أتنازل عن ذلك حتى أتلقى اعتذارا رسميا عما لحق بي وبعائلتي.( يتوقف قليلا عن الحديث)، كان بالفعل حدثا مفجعا في مساري الحياتي، وأدخلني في موجة حزن شديدة لم يسبق لي أن عانيت مثلها طوال حياتي.
- ماذا كان رد فعلك بعد أن علمت بانتحار أخيك؟
يجب أن تعرف أن عبد الحكيم هو أخي الأكبر، وقد أمضيت معه طفولتي، وكانت تربطني به علاقة قوية جدا، وعلى هذا الأساس لم أستطع أن أتحمل كل الآلام التي خلفها انتحاره، وكنت أفكر في سيناريوهات عديدة من أجل الانتقام لأخي.
شاءت الصدف في تلك السنة أن يصوت البرلمان البلجيكي على قانون يسمح للمواطنين الأجانب حاملي الجنسية البلجيكية، والذين سبق لهم أن تعرضوا للتعذيب والمعاملة السيئة في بلدانهم، برفع دعاوى قضائية ضد المسؤولين المتورطين في ذلك. طبعا كانت الفرصة مناسبة لي، ولم أفكر كثيرا لأتخذ قراري بمتابعة الملك الراحل الحسن الثاني، حيث اتصلت بمحام شهير ببروكسيل اسمه «ميشيل كراندوغج»، وشرحت له كل ما جرى لي بالمغرب والتعذيب الذي تعرضت له. في البدء كان هدفي الأساس أن أرفع الدعوى القضائية ضد الحسن الثاني، واتصلت بالديوري لأخبره بالخطورة التي أريد الإقدام عليها، فعبر عن موافقته الكاملة واستعداده لتمويل كل فصول القضية. حدث ذلك في شهر ماي من سنة 1999، وفي شهر يونيو أخذ المحامي عطلته السنوية، حيث طلب مني إعداد كل الوثائق الخاصة بملفي. بالفعل اتصلت بعائلتي وبدأت بجمع كل الوثائق التي تثبت أن النظام بالمغرب عذبني وحرمني من مواصلة الدراسة. بعد شهرين فقط، مات الحسن الثاني، وكان من المستحيل جدا أن تتابع رجلا ميتا واهتديت لحظتها إلى مقاضاة إدريس البصري، وزير الداخلية القوي في مملكة الحسن الثاني.

البطيوي: المهدي كان يريد اغتيال شيخ العرب بالبيضاء والديوري يتحدث عن لقاء سريالي بين المهدي بن بركة وشيخ العرب

 البطيوي: المهدي كان يريد اغتيال شيخ العرب بالبيضاء والديوري كان يدبر خطة ليكون مولاي هشام ملكا للمغرب



حكى عن لقاءاته مع كلينتون وكارتر وقال إنه كان يريد مساعدة الأمريكيين لقلب النظام بالمغرب
نشر في المساء يوم 20 - 07 - 2014

- أتى أوفقير بالديوري إلى الفيلا التي يقيم بها للضغط عليه قصد الشهادة في المحكمة ضد أصدقائه، هل رضخ الديوري لكل هذه الضغوط، لاسيما وأن أوفقير كان يمسك بكل شيء في تلك المرحلة؟
-يضحك-، يبدو أنك لا تعرف الديوري جيدا، إنه أعند مما تتصور، ولو منحت له كل أموال الدنيا لن يتراجع عن مواقفه، خاصة وأنه تعرض لتعذيب شديد حسب ما حكى لي هو نفسه، ففي المحكمة قال عكس ما أمره به أوفقير وهاجم النظام وسرد كل تفاصيل اعتقاله رفقة مجموعة اليوسفي وطرق التعذيب التي استخدمت ضدهم.
- هناك الكثير من المناطق المعتمة في العلاقة بين الديوري والمهدي بن بركة، ما طبيعة العلاقة التي كانت تجمعهما؟
الذي أعرفه جيدا أن العلاقة بين الديوري وشيخ العرب كانت قوية، أما بنبركة فقد كانت علاقته به جيدة في المرحلة التي أعقبت حصول المغرب على الاستقلال، لكن فيما بعد لم تعد بالقوة التي كانت عليها من قبل بسبب المواقف التي عبر عنها بنبركة من معاهدة إيكس ليبان.
- ماذا عن شيخ العرب؟
إذا صح المجاز، فإن الديوري كان يعبد شيخ العرب وكان متأثرا به كثيرا، إذ لم يسبق لي أن التقيت به ولم يحدثني عن شيخ العرب، بالنسبة له فإن شيخ العرب كان نموذج المناضل الجذري الذي كان يرسمه في خياله، إلى درجة أنه كان يتحدث عن النظام الغذائي الذي كان يتبعه والقائم على استعمال الأعشاب في جميع وجباته، وكان الديوري يقول لي إن شيخ العرب قبل أن يكون سياسيا هو رجل فلسفة وله نظام يسلكه في الحياة. باختصار شديد، فإن شيخ العرب ألهم كثيرا الديوري في كل مناحي الحياة، وما كان يجمعهما أكثر هو تغيير النظام بالمغرب، وهي نقطة التقاء أخرى قوت العلاقة بينهما.
- قلت إن الديوري كانت تجمعه علاقة بنبركة، ألم يحاول أن يرتب اجتماعا ثلاثيا يجمعه بكل من بن بركة وشيخ العرب؟
-يفكر قليلا-، نعم أتذكر أن الديوري قال لي إنه حاول ترتيب لقاء بمدينة الدار البيضاء في إحدى منازل عائلته، قبل أن يتوصل بمعلومات تفيد بأن بنبركة يحضر لنفس المؤامرة التي راح ضحيتها عباس لمساعدي القيادي في جيش التحرير، أي أن يتم اختطاف شيخ العرب أو اغتياله حسب خطة معدة سلفا.
- تقصد أن المهدي بنبركة كان يريد رأس شيخ العرب؟
يجب أن تعرف أن بنبركة هو الذي اتصل بالديوري راغبا أن يلتقي شيخ العرب، حيث كان يعلم بمتانة العلاقة التي كانت تجمعهما، وبالفعل وافق الديوري على مقترح المهدي، لكن معلومات لا أعرف من أين استجمعها قال لي إنها تفيد بأن بنبركة كان يريد اغتيال أو اختطاف شيخ العرب، وحدث ذلك في أواخر الخمسينيات على ما أعتقد.
-ألم يخبرك الديوري لم كان المهدي يريد اغتياله أو اختطافه؟
نعم أخبرني وأكد لي أن شيخ العرب كان يمثل في الأدبيات السياسية لأحزاب الحركة الوطنية التي وافقت على معاهدة إيكس ليبان وجها معارضا، خاصة وأنه كان يريد أن يواصل جيش التحرير نضالاته بالسلاح، وهو الأمر الذي لم يرق جماعة المهدي، وكانت تريد إعادة نفس سيناريو اغتيال عباس لمساعدي.
-1-
- الآن، نحن في سنة 1995، علاقتك بالديوري تبدو جيدة، والأخبار التي ترشح من الصحافة تقول إن الحسن الثاني مريض جدا، كيف كان يفكر الديوري في هذه اللحظة بالذات؟
بعد فشل كل محاولاته السابقة لقلب النظام بسبب ما أسميه أنا شخصيا سذاجة سياسية، قال لي الديوري إنه سيسعى بكل الوسائل حتى لا يمر تسليم السلط بين الحسن الثاني وولي عهده بالطريقة التي يبتغيانها، ووصل به الأمر إلى حد التفكير في الاتصال بالأمير مولاي هشام، هل اتصل به أم لا؟ لا أتوفر على أي معلومات بخصوص هذه النقطة. أعتقد أن زياراته المتكررة إلى أمريكا، هي التي جعلته يفكر بالأمير مولاي هشام، الذي كان يرى فيه رمزا للمعارضة من داخل الأسرة الملكية. ولأنني ذكرت الولايات المتحدة الأمريكية، دعني أخبرك أن الديوري التقى مع كارتر بفضل جمال بنعمر المبعوث الأممي الحالي إلى اليمن، الذي كان وقتها رئيسا لمؤسسة كارتر بأمريكا.
- بحكم معرفتك القوية بالديوري، هل تخمن أنه التقى بمولاي هشام؟
أعتقد أنه التقى به أكثر من مرة في إطار اجتماعات سرية، وليس لدي ما يثبت ما أقول، وكنت أتحاشى أن أثير الموضوع مع الديوري لأنني كنت أعرف حساسية أن يربط رجل معارض للملكية علاقة مع أحد الأمراء الذي تربى في القصر، وحتى عندما كنت أسأله بشكل عرضي، كان يكتفي بالقول إنه يحاول الاتصال به، والقاعدة تقول إنه مادمت تحاول ستصل، وأخال أنه وصل. ربما كان الديوري، حسب ما فهمته فقط، يرى في مولاي هشام النموذج الذي من الممكن أن يلج به المغرب الديمقراطية، وكان يقول لي إنه يفكر أن يكون هو في مكان محمد السادس.
-كيف كان يريد تطبيق ما يفكر به فيما يتعلق بتسليم السلط؟
أنت تعرف جيدا تاريخ الانقلابات داخل القصر، والديوري كان يريد استغلال هذا الأمر إلى أبعد حد، وأعتقد أنه كان يبحث عن دعم الأمريكيين لتنفيذ مخططه ولا ننسى أنه التقى ببيل كلينتون وبكارتر وكانت له علاقات طيبة مع الأمريكيين. الأمريكيون كانوا الملاذ الأخير للديوري لتسكين عقدة أبدية اسمها الحسن الثاني-يبتسم-، خاصة وأنه كان يعرف أن الفرنسيين لن يساعدوه أبدا في ظل العلاقة القوية التي تربطهم بالنظام المغربي.
***********
-1-يبقى التصريح والشهادة تخص صاحبها
********************************
لقاء سريالي بين المهدي بن بركة وشيخ العرب
نشر في الشرق المغربية يوم 12 - 05 - 2011

حاول مومن الديوري في كتابه المحظور (حقائق مغربية) كشف الحجاب عن تاريخ المغرب المستور وإعادة كتابة خطوطه العريضة. فهو يستنكر الرواية التاريخية الرسمية ويكفر بمسلمات كثيرة يعج بها أرشيف المملكة؛ ليتبنى في سرد مبسط وأسلوب لا تعوزه السلاسة أطروحات تاريخية ثورية، بل وربما يكون المرء أقرب إلى الصواب
إذا ما وصفها بالانقلابية. ولقد سعى جاهدا إلى التخلص من لعنة التاريخ الرسمي وطرد أرواح البروباغاندا الشريرة في محاولة منه لاسترجاع الذاكرة الجماعية المغربية، بعد أن أمعن حماة "التاريخ المؤسساتي" في تزييف الأحداث وطمس الحقائق. تشكل هذه الذاكرة المستعادة، في تقدير الكاتب، ضرورة حيوية وشرطا أساسيا لا سبيل للالتفاف عليه لإعادة فحص الماضي و فهم الحاضر بغرض بناء المستقبل على أسس سليمة.
تبلغ الرواية ذروتها في آخر فصل من فصول الكتاب، عندما يكبح الديوري جماح قاطرة التاريخ المغربي المندفعة على الدوام نحو مجهول الانقلابات وانفلاتات العصيان المدني، ويُشعر القارئ بأن الزمن قد توقف ساعة عرضه لتفاصيل لقاء تاريخي سريالي بين المهدي بن بركة وشيخ العرب.
بذل الديوري جهدا كبيرا في إقناع شيخ العرب بضرورة اللقاء، لأن هذا الأخير -وعلى سبيل المثال لا الحصر- لم يهضم خيانات حزب الاستقلال واختياراته السياسية العجيبة ولم يستسغ مباركة ابن بركة كقيادي بارز في حزبه لعمليات تصفية المقاومة المسلحة وجيش التحرير عقب الاستقلال. وفي صيف عام 1962، في بيت آمن بالرباط -شقة صغيرة تم كراؤها لهذا الغرض بعيدا عن فضول رجال الأمن- التقى الرجلان أخيرا؛ بعد أن بلغ كلاهما أوج عطائه النضالي، وفي وقت ارتآى فيه الديوري أنه قد آن الأوان ليوحدا قواهما بعد أن سارا لسنوات طويلة في طريقين متوازيين لا يتقاطعان إلا في سراب الأماني والأوهام. المهدي في طريق المناورة السياسية والتفاوض مع المستعمر قبل الاستقلال ومع المؤسسة الملكية من بعده. وشيخ العرب في طريق التنظيمات السرية والكفاح المسلح.
ويرجع مومن الديوري قبول شيخ العرب (على مضض) بأن يجتمع بابن بركة إلى إيمانه بحتمية إدماج الثورة المغربية في إطار الحركات التحررية التي كانت تهب رياحها الكوبرنيكية على دول العالم الثالث
آنذاك. وتوافقت هذه المقاربة النظرية مع تصور ابن بركة الذي كان قد وصل إلى مرحلة من تطور فكره السياسي والإيديولوجي؛ ربط فيها أجندة كفاح الشعب المغربي بأجندات الشعوب المقاومة للاستعمار والاستعمار الجديد، بسبب دوره القيادي في "منظمة التعاون بين دول إفريقيا وآسيا"، والتي تحولت فيما بعد إلى ما عرف "بمنظمة القارات الثلاث" بعد أن انظمت أمريكا اللاتينية إلى لائحة الشعوب المغلوبة على أمرها. كان المهدي حينها زعيم الحزب اليساري الكبيرالوحيد (الاتحاد الوطني للقوات الشعبية المنشق عن حزب الاستقلال منذ سنة 1959) الذي دعا إلى مقاطعة الاستفتاء حول نص أول دستور في تاريخ المغرب المستقل، كان قد أشرف على صياغته أستاذ الحقوق وعلم السياسة الفرنسي موريس دوفيرجي ، بطلب من الملك الراحل الحسن الثاني. وكافح الشعب المغربي من أجل دستور منبثق عن لجنة تأسيسية يشكلها أعضاء منتخبون...بالنتائج التي نعرفها جميعا. ومازال كفاحه مستمرا ضد دساتير ممنوحة "يؤلفها" الحقوقيون المستوردون، وضد الاستفتاءات الملحمية حول مراجعاتها ومراجعة مراجعاتها إلى يومنا هذا.
يكتفي مومن الديوري بفقرات تيليغرافية يلخص فيها خلفية اللقاء التاريخية والسياسية، قبل أن يدخل إلى صلب الموضوع ويدلي بشهادته على موقف لا يملك القارئ إلا أن يشبهه بمشهد نهائي من فيلم لرعاة البقر حيث يقع "النزال الأخير".
يقول الديوري في شهادته أن شيخ العرب "أمسك بزمام الأمور" منذ أول لحظة عندما أخرج مسدسه متوجها إلى المهدي بن بركة، وقبل أن ينبس هذا الأخير ببنت شفة، بقوله: "إذا فكرت في خيانتنا، فهذا ما ينتظرك. أنا أحذرك..." ثم تابع كلامه في حين استغرق المهدي في تأمل فوهة المسدس وهو يغالب دهشته ... "لقد أقنعني مومن بضرورة لقائنا هذا، لأنه يبدو متأكدا من أنك أنت ورفاقك لن تخونوننا عند أول إشارة من الحسن الثاني. ولكنني مازلت أتذكر كل شيء...أعلم أن قياديي الاتحاد الوطني للقوات الشعبية ليسوا ثوريين. إنهم سياسيون متعطشون للسلطة.هذا عندما لا يلهثون وراء تجميع الامتيازات وتكديس الثروات. يكفي أن تسمعوا من الملك همسة لكي تلبوا نداءه دون أن تترددوا في خيانتنا للحظة واحدة...هذا أخشى ما أخشاه."
أمام هذا الاستقبال الحفيف، شحب وجه ابن بركة وابتلع ريقه، ثم اعترض على كلام شيخ العرب مشيرا إلى أنه يحضر اللقاء بصفته حليفا. يستمر الحديث لمدة ساعة تقريبا. ويعد ابن بركة بتوظيف حظوته الواسعة في التعريف بتنظيمات الكفاح المسلح خارج حدود المغرب.
لكن شيخ العرب لم يسعد طويلا بهذا اللقاء. فبعد مرور ثلاثة أشهر، بدأ ابن بركة مفاوضاته مع الملك الراحل الحسن الثاني بغرض المشاركة في الحكومة ''بشروط مشرفة" على حد تعبيره. ومما زاد الطين بلة؛ إدلاؤه بمعية بوعبيد في مقابلة صحفية مع مجلة "جون أفريك" في عدد 7-14 أبريل 1963 بتلميحات تشير إلى تحالف الحزب الوطني للقوات الشعبية مع النقابات...بالإضافة إلى "عناصر المقاومة المسلحة".
من الواضح أن النظام الذي لا يستهوي مزحات الفكاهة السوداء ولا يتذوق كذبات أبريل؛ قد استخلص "الكلام المفيد" و"الأفكار الأساسية" من القراءة بين السطور. إذ لم يمض شهران على صدور المقابلة الصحفية المنحوسة حتى بدأت سلسلة الاعتقالات الجماعية تشق صفوف الفعاليات اليسارية والنقابيين، لتنتهي بتحييد حزب بوعبيد-ابن بركة وتصفية كوماندوهات شيخ العرب- الديوري.
ألقي القبض على الديوري بمناسبة حلول موسم الاعتقالات السعيد. فر شيخ العرب هاربا إلى الجزائر. وطالت البركة ابن بركة الذي لم يعد للمغرب بعد أن حكم عليه غيابيا بالإعدام مرة أولى خريف عام 1963، ومرة ثانية في يناير 1964.

البطيوي: الحسن الثاني بعث مقربا من شيراك إلى الديوري ومنحه شيكا على بياض لوقف إصدار كتابه حول النظام بالمغرب

 البطيوي: الحسن الثاني بعث مقربا من شيراك إلى الديوري ومنحه شيكا على بياض لوقف إصدار كتابه حول النظام بالمغرب



قال إن الرئيس الغابوني عمر بانغو قال له: «لا يمكن أن تكون ضد فرنسا وكبار المثقفين يدافعون عنك»
نشر في المساء يوم 18 - 07 - 2014

في كراسي الاعتراف تجري العادة أن يسرد المحاور حياته منذ أن رأى نور الحياة الأول إلى نهاية مساره الحياتي، لكن محمد البطيوي، آثر أن يسير ضد هذا المنطق، ويشرع في بناء الأحداث بالطريقة التي يراها هو مفيدة للتاريخ المغربي، أي أنه اختار أن يبدأ بلحظة عودته إلى المغرب بعد 27 سنة من حياة المنفى الاضطراري تارة، والاختياري تارة أخرى. في بروكسيل، يتذكر البطيوي قصته مع الاعتقال والتعذيب البشع الذي تعرض له بمدينة وجدة، بعدما ورد اسمه إلى جانب طلبة آخرين في اللائحة السوداء للمشاركين في إضرابات سنة 1984، ويتوقف طويلا عند تجربة المنفى وقصة هروبه من المغرب وعلاقته بمومن الديوي، أحد أبرز معارضي نظام الحسن الثاني، ويعود، فوق ذلك، إلى تفاصيل تنشر لأول مرة حول التنسيق الذي كان يجري خارج المغرب للإطاحة بالحسن الثاني.
- قاطعت الديوري بسبب علاقته بأحمد رامي، كم هي المدة التي لم تتحدثا فيها؟
أعتقد أنها دامت مدة فاقت الشهرين، وكنت غاضبا جدا منه، إذ لا يمكن لإنسان ديمقراطي أن يؤمن برجل فاشي. هذه قمة السوريالية بالنسبة إلي.
- لم يسبق للملك الراحل الحسن الثاني أن أرسل أحدا للقاء الديوري مقابل التخلي عن أفكاره الانقلابية؟
أخبرني الديوري أن الحسن الثاني أرسل أحدهم قبل صدور كتابه «من يملك المغرب» من أجل عدم نشره في فرنسا، واقترح عليه شيكا على بياض بالمبلغ الذي يريد، لكنه رفض رفضا قاطعا.
- ألم يخبرك بهوية الشخص الذي جاء للتفاوض معه؟
نعم أخبرني، وقال لي إنه كان فرنسيا مقربا جدا من جاك شيراك. أعتقد أن الحسن الثاني لم يقدر جيدا مقدار الحقد الذي كان يكنه الديوري له، ولم يكن يقدر أيضا الأموال الكبيرة التي كان يتوفر عليها، ولذلك كانت خطوة إرسال مبعوث إليه في تقديري خطوة ساذجة جدا من طرف النظام.
- بعد نفيه إلى الغابون ما الذي حدث؟
خرجت مظاهرات حاشدة في باريس وعدة مدن أخرى، وكتبت العديد من اليوميات الفرنسية الكبيرة عنه ودعت إلى إعادته إلى فرنسا، ولم تقتصر هذه الدعوات على الجرائد الفرنسية، بل حتى في بلجيكا وفي بعض البلدان الأوربية الأخرى. حكى لي الديوري أن الرئيس الغابوني عمر بانغو زاره في الفندق الذي كان يقيم فيه وقال له: من المستحيل جدا أن تكون رجلا إرهابيا تهدد الأمن الفرنسي، (وهو السبب الذي أدى إلى نفي الديوري إلى فرنسا) وكبار المثقفين والصحافيين الفرنسيين يدافعون عنك. وفي الوقت نفسه رفع محام جزائري كان ينوب عنه دعوى أمام المحكمة الإدارية الفرنسية، لأن الديوري كان يحمل صفة لاجئ سياسي بفرنسا، أي أنه يستفيد من حماية الأمم المتحدة حسب القانون الدولي في هذا المجال. فاجأت المحكمة الإدارية الفرنسية الجميع وحكمت لصالح الديوري، وشكل ذلك صفعة قوية للملك الراحل الحسن الثاني، وقال لي الديوري بالحرف إن أخبارا تأتيه تفيد بأن الحسن الثاني لا ينام بعد القرار الذي أصدرته المحكمة الإدارية الفرنسية، خاصة أنه كان متيقنا أن المعلومات التي وظفها الديوري في الكتاب خرجت من داخل القصر، بمعنى أنه كان خائفا أن تسرب معلومات أخرى من داخل القصر لصالح الديوري.
في سنة 1995، نشرت جريدة «لوموند ديبلوماتيك» خبرا يفيد بأن الحسن الثاني لن يعيش طويلا، كيف تعاطى الديوري مع هذا المعطى الجديد؟
لا أخفيك، أحسست أن الديوري أصيب بالتيه، وكنت ألحظ تغير سحناته كلما أثرت سيرة الملك الراحل الحسن الثاني، كيف لا وخصمه الأول في حياته الذي بنى عليه كل قضاياه الوجودية سيموت في غضون ثلاث سنوات. لقد كان حلم الديوري أن يكون أول من يقلب النظام بالمغرب، وأن يدخل التاريخ من أوسع أبوابه حينما تنجح محاولته الانقلابية، كان الأمر بمثابة «فونتازم» يسكن الديوري ويلازمه في كل تفاصيل حياته اليومية، كان يقول لي إنه هو من سيبني نظاما جديدا بالمغرب وهو من سيقضي على الحسن الثاني وهو.. وهو..، كنت أعرف أن الأمر يسيطر عليه إلى درجة مرضية في بعض الأحيان، وكل الكلام الذي قلته له هو الذي انتصر في الأخير، فلا هو قلب النظام ولا هو قضى على الحسن الثاني كما كان يحلم، كل ما فعله في آخر حياته أنه دخل إلى المغرب وكتب رسالة إلى محمد السادس.
سأعود بالتفصيل إلى حدث عودته إلى المغرب، دعنا نتوقف عند المرحلة التي تلت سنة 1995، هل تحسنت علاقتك بالديوري؟
تحسنت كثيرا، وذاب جليد الخلاف بيننا رغم أن أفكارنا كانت متعارضة تماما. أتذكر أنه بعد إعلان خبر وفاة الحسن الثاني بعد 3 سنوات كما نشرته جريدة «لوموند ديبلوماتيك»، قلت للديوري إنه لم يكن على صواب حينما كان يعتقد أن النظام يتجسد في الحسن الثاني وحده، فهناك المؤسستين العسكرية القوية والدينية، وهناك اللوبي الاقتصادي والإداري، وللأسف الشديد، فإن الديوري لم يكن يأخذ كلامي في بعض الأحيان على محمل الجد. خبر وفاة الحسن الثاني الذي نشر على صفحات الجريدة الفرنسية حول الديوري إلى كائن حزين بمعنى أنه فقد سبب وجوده في الحياة، وهذا أمر قاس في تقديري لم يقدر الديوري على تحمله لفترة طويلة.
- ألم يحك لك الديوري عن طرق التعذيب التي تعرض لها حينما اعتقل برفقة مجموعة اليوسفي سنة 1963؟
لم يحك لي الشيء الكثير، لكنه كان يتذكر دائما التعذيب القاسي الذي تعرض له، وأعتقد أن ذكريات التعذيب هي التي كانت تحرك الديوري من أجل القضاء على النظام بالمغرب، وقد حكى لي يوما أنه قبل أيام فقط من بدء محاكمتهم أتوا به إلى فيلا أوفقير كي يقنعوه بالشهادة ضد أصدقائه، خاصة اليوسفي، بأنهم كانوا يخططون لقلب النظام بالمغرب، وألبسوه بطريقة جيدة ومنحوا له الطعام، وفي لحظة معينة رأى رجلا في الشرفة تبين له أنه الملك الحسن الثاني، وكان داخل الفيلا رجل أحمق يقوم بحركات غريبة كانت تضحك الحسن الثاني على نحو غريب.

البطيوي: الديوري التقى صدام حسين من أجل إعمار العراق وقاطعته بعد معرفتي لعلاقته برامي

 البطيوي: الديوري التقى صدام حسين من أجل إعمار العراق وقاطعته بعد معرفتي لعلاقته برامي



حكى عن تفاصيل علاقته برامي وقال إن الملك تحدث عن الديوري بسوء كبير
نشر في المساء يوم 16 - 07 - 2014

في كراسي الاعتراف تجري العادة أن يسرد المحاور حياته منذ أن رأى نور الحياة الأول إلى نهاية مساره الحياتي، لكن محمد البطيوي، آثر أن يسير ضد هذا المنطق، ويشرع في بناء الأحداث بالطريقة التي يراها هو مفيدة للتاريخ المغربي، أي أنه اختار أن يبدأ بلحظة عودته إلى المغرب بعد 27 سنة من حياة المنفى الاضطراري تارة، والاختياري تارة أخرى. في بروكسيل، يتذكر البطيوي قصته مع الاعتقال والتعذيب البشع الذي تعرض له بمدينة وجدة، بعدما ورد اسمه إلى جانب طلبة آخرين في اللائحة السوداء للمشاركين في إضرابات سنة 1984، ويتوقف طويلا عند تجربة المنفى وقصة هروبه من المغرب وعلاقته بمومن الديوي، أحد أبرز معارضي نظام الحسن الثاني، ويعود، فوق ذلك، إلى تفاصيل تنشر لأول مرة حول التنسيق الذي كان يجري خارج المغرب للإطاحة بالحسن الثاني.
- لم تنجح كل محاولات الديوري في القضاء على الحسن الثاني، وكان في كل مرة يتراجع في آخر لحظة عن الخطط التي أعدها، وقلت في سياق الحديث عن التنسيق الذي كان قائما بينه وبين عناصر في الجيش، إنه كان يتعامل بنوع من السذاجة، هل بقي الديوري مسكونا بفكرة قلب النظام؟
الديوري أصيب بارتباك نفسي كبير، بل يمكن أن نقول نوعا من الاضطراب لأنه كان يركز كثيرا على شخصية الحسن الثاني، خاصة وأن جريدة «لوموند ديبلوكاتيك» نشرت وثائق تفيد بأن الملك المغربي مريض وأن موته مسألة وقت فقط، حيث كنت أرى من خلال أمارات وجهه أنه مصاب بالإحباط، كيف لا وقضيته الأولى في الحياة وعدوه الأول الذي بنى على أساسه كل مخططاته سيرحل عن الحياة. لا أعرف كيف حصلت الجريدة الفرنسية وقتها على الملف الطبي للحسن الثاني، فإما أن مصدرا طبيا سرب الملف أو أن جاسوسا داخل القصر فعل ذلك، وهنا أتذكر جيدا أن الملك الراحل الحسن الثاني لم يكن يهمه بتاتا الكتاب الذي أصدره الديوري، رغم كل المعلومات الخطيرة التي تضمنها ورغم كل الضجة التي أثارها، بقدر ما كان يهمه الأشخاص الذين سربوا للديوري بعض الوثائق الحساسة، منها بعض نسخ الشيكات، والحسن الثاني ببديهته عرف أنها خرجت من داخل القصر الملكي وليس أي مكان آخر.
- ألم يخبرك الديوري عن الأشخاص الذين تعامل معهم حينما كان يحرر كتاب «من يملك المغرب»، وبالمقابل، ألم يشك الحسن الثاني في جهات بعينها؟
مرة أخرى أعود لأقول لك إن الديوري ليس من النوع الذي يفصح لك عن مخططاته، كان يشبه صحافيا يحافظ على مصادره إلى أبعد حد، حتى مع أعز أصدقائه الذين كان يخبرهم بكل شيء، أما بالنسبة للحسن الثاني، فقد تحدث بطريقة سيئة عن الديوري في تصريحات صحافية ووصفه بأقذع الأوصاف حينها.
- كنت تلتقيه في منزله، ألم يتصادف حضورك يوما مع لقاء أعده الديوري مع شخصيات سياسية مغربية في الفترة التي كان يحضر فيها كتابه عن الملك الراحل الحسن الثاني؟
لا أبدا، لكن الذي أعرفه جيدا أنه كان متعاطفا جدا مع جماعة العدل والإحسان، وكان في كل مرة يعبر عن مساندته لها، لاسيما وأن تلك الفترة تميزت بحصار شديد ضربه الملك على الجماعة بسبب مواقفها المناوئة للنظام، ربما استعداء النظام هو الذي كان يجمعهما، لكنه لم يكن يخفي إعجابه بشخصية عبد السلام ياسين، مرشد الجماعة الراحل. دعني أتوقف هنا عند العلاقة القوية التي كانت تربط بين الديوري وأحمد رامي، أحد أشهر الانقلابيين، وهذه العلاقة كانت محط صراع بيني وبين الديوري، لأنني كنت أعتبره عنصريا ومعاديا للسامية. وأحمد رامي هو الذي كتب تقديم الطبعة الثانية لكتاب «من يملك المغرب»، وعلى هذا الأساس انقطعت علاقتي لشهور مع الديوري.
- هل كان هناك عداء قديم بينك وبين رامي؟
لا، لا، لقد قلت للديوري في معرض حديثنا عن علاقته مع رامي إن الكتاب الذي أنجزه رائع، لكن تم تقديمه من طرف شخص فاشي، فقد كان قريبا من التيارات اليمينية ومن التيارات الإسلامية المتطرفة، بعد أن حاول الانقلاب على الحسن الثاني. أنا لم يكن يهمني ماذا فعل أو لماذا حاول أن ينقلب على الحسن الثاني، لأنني لم أكن يوما انقلابيا، لسبب بسيط هو أن البطيوي ضد أن تصل المؤسسة العسكرية إلى الحكم، فمهمتها الأساس هي حماية الحدود، لا أن تمسك بزمام السلطة السياسية، والذي يهمني ماذا صار بعد الانقلاب.
نعود إلى علاقة الديوري بأحمد رامي، ما طبيعة هذه العلاقة، أعني هل كانا ينسقان من جديد لقلب النظام بالمغرب؟
أذكر أن رامي هو الذي كان سببا مباشرا في اللقاء الذي جمع مومن الديوري بالرئيس العراقي الراحل صدام حسين.
- ألم يخبرك الديوري بما دار بينه وبين صدام؟
قال لي إن طبيعة الحوار كانت سياسية تجارية، وأعتقد أن اللقاء انصب حول إعمار العراق بعد حرب الخليج الثانية. وأعود لسؤالك السابق عن التنسيق المفترض بين الديوري ورامي من أجل القيام بانقلاب بالمغرب. لا أتصور ولم أتصور يوما أنهما سيقومان بذلك، لأن رامي كان ثرثارا كبيرا وكان على قطيعة نهائية مع ما كان يجري بالمغرب، ولم تكن المعارضة السياسية المغربية تثق به بأي حال من الأحوال.
- وكيف أصبحت علاقتهما قوية؟
حسب ما حكاه لي الديوري، فقد التقاه في لقاء بالسويد وسرد له تفاصيل الانقلاب الذي قاموا به بالمغرب وطريقة خروجه من المغرب، وهنا لعب رامي على وتر حساس اسمه الحسن الثاني، وتقوت جمرة الحقد تجاه الملك الراحل الحسن الثاني. في البداية لم يشأ الديوري أن يخبرني بعلاقته به، لكن بعد مضي بضعة أشهر، قرر أن يخبرني، وقد كنت معارضا بشكل مطلق أن ينسج علاقة مع شخص ينتمي إلى أحزاب وتيارات متطرفة تعادي الديمقراطية وتعادي السامية وتتصرف بطريقة عنصرية مع الجميع، لكنه تمسك به رغم كل الصراع الذي دار بيننا.

البطيوي: عسكريون أوهموا الديوري بتسجيل صوتي أنهم ينفذون عملية لاغتيال ولي العهد

 البطيوي: عسكريون أوهموا الديوري بتسجيل صوتي أنهم ينفذون عملية لاغتيال ولي العهد



قال إنهم كانوا يقولون لهم إنهم حاولوا قتل ولي العهد حينما كان يقوم بحصة رياضية بغابة المعمورة
نشر في المساء يوم 15 - 07 - 2014

في كراسي الاعتراف تجري العادة أن يسرد المحاور حياته منذ أن رأى نور الحياة الأول إلى نهاية مساره الحياتي، لكن محمد البطيوي، آثر أن يسير ضد هذا المنطق، ويشرع في بناء الأحداث بالطريقة التي يراها هو مفيدة للتاريخ المغربي، أي أنه اختار أن يبدأ بلحظة عودته إلى المغرب بعد 27 سنة من حياة المنفى الاضطراري تارة، والاختياري تارة أخرى. في بروكسيل، يتذكر البطيوي قصته مع الاعتقال والتعذيب البشع الذي تعرض له بمدينة وجدة، بعدما ورد اسمه إلى جانب طلبة آخرين في اللائحة السوداء للمشاركين في إضرابات سنة 1984، ويتوقف طويلا عند تجربة المنفى وقصة هروبه من المغرب وعلاقته بمومن الديوي، أحد أبرز معارضي نظام الحسن الثاني، ويعود، فوق ذلك، إلى تفاصيل تنشر لأول مرة حول التنسيق الذي كان يجري خارج المغرب للإطاحة بالحسن الثاني.
- أعود لأسألك من جديد، ألم يسبق لك أن رأيت معه شخصية سياسية مغربية في منزله بباريس ربما ينسق معها لاغتيال الملك الراحل الحسن الثاني؟
لا أبدا، لكن أنا متيقن من شيء وحيد، هو أنه كانت هناك مجموعة في المغرب تبيع الوهم للديوري بطريقة ساذجة في بعض الأحيان، وأعتقد أن هذه المجموعة كانت تنتمي إلى الجيش المغربي، لأنها كانت ترسل مجموعة من التسجيلات للديوري فيها أصوات لطلقات نارية يقول عنها أصحابها إنها عبارة عن محاولة اغتيال لولي العهد آنذاك محمد السادس بغابة المعمورة، حيث كان محمد السادس يقوم بحصة رياضية.
- هل أنصت أنت إلى هذا التسجيل، وهل تعرفت إلى تلك الأصوات التي تقول إنها قامت بمحاولة اغتيال لولي العهد محمد السادس؟
في أحد الأيام أراني التسجيل وأنصت له ولم يكن فيه سوى أصوات، كنت موقنا أنها مسرحية أتقنت تلك المجموعة إخراجها لإيهام الديوري أن الأمر يتعلق حقا بعملية اغتيال مقابل الحصول على المال، خاصة وأنهم يعلمون أن الديوري سيغدق عليهم الكثير من الأموال. وأنا أتصور أن هؤلاء كانوا يذهبون إلى الغابة أو إلى أقرب مكان تدريب ويطلقون أعيرة نارية ويشرعون في الصراخ ليبدو المشهد وكأنه محاولة حقيقية لاغتيال ولي العهد، إذ كنت أسمع أصواتا من قبيل «شبر.. قبط.. ضرب.. جري عليه». لقد كنت أحذره دائما من مغبة الوثوق بهاته التسجيلات وقلت له مرارا إنه فقط سيناريو سيئ الإخراج. مرة أخبرت الديوري أنه يتعاطى بنوع من السذاجة مع هذه التسجيلات، وقلت له إنك لم تر أي شيء أو تسجيل مصور يمكن أن يدل على صحة تلك التسجيلات وفوق ذلك يمكنني أنا شخصيا ابتداء من اليوم الموالي أن أقوم بمثل هذه العمل، لكنه للأسف كان مسكونا بما أسميه دائما عقدة الحسن الثاني، وكان يقول لي إنه يعرفهم شخصيا وأنهم بالفعل قاموا بمحاولة اغتيال الملك الحالي محمد السادس بغابة المعمورة.
- مرة أخرى لم تسأله عن هوية هؤلاء الذين تسمع أصواتهم في التسجيلات؟
كان السؤال دائما يتبادر إلى ذهني وكنت أساله بين الفينة والأخرى وأكرر السؤال بصيغ مختلفة لسبب وحيد، لأعرف هؤلاء الذين يستغلون سذاجة بعينها، لأن الديوري كان ذكيا جدا، لكن لم يسبق له أن أخبرني عن الشخصيات العسكرية التي ينسق معها أو حتى السياسية، ولن يفعل ذلك حتى ولو كان على فراش الموت. أعرفه جيدا، حينما يتعلق الأمر باغتيال الحسن الثاني أو ولي العهد محمد السادس، يرتكن إلى الصمت رغم أنه يتجول في كل أنحاء أوربا، وكنت في كل مرة أحزر كونه يحضر لعملية انقلابية فاشلة. لم يكن لدى الديوري كما كان عند الانقلابيين الآخرين، كان يريد رأس الحسن الثاني وبأي ثمن كما أخبرتك من قبل، ولذلك فشلت كل محاولاته، مع العلم أنه خسر أموالا طائلة مقابل التحضير لها، وأؤكد لك أن الكثير من الشخصيات العسكرية والسياسية المغربية استفادت كثيرا من الديوري على المستوى المادي لأنه كان سخيا جدا.
- لم يكن الديوري يتضايق من معارضتك له ومن انتقاداتك الدائمة له، حيث لاحظت طيلة فصول الحوار أنك كنت دائما معارضا له ولم يسبق لك بتاتا أن وافقت على فكرة من أفكاره رغم أن الجميع يعرف من يكون الديوري وماذا يريد، بل وقلت إنك لم تكن مع فكرة قلب نظام الحسن الثاني، بينما مواقفك المعروفة تنبئ بعكس ما تقول تماما...
علاقتي بالديوري لم تكن علاقة مصلحة قائمة على المال، وهذا هو السر بالضبط وراء انتقاداتي الدائمة له بخصوص كل المحاولات الفاشلة التي قام بها من أجل إسقاط نظام الحسن الثاني بالمغرب، وثانيا لأن الديوري كان يعزني كثيرا ويرى في صديقا صادقا ولا يتوانى عن التعبير عن أفكاره حتى ولو لم تكن تسير في مجرى تفكيره. بطبيعة الحال كان يتضايق في بعض الأحيان من هذه الأفكار لكنه لم يقمعني يوما. وفيما يرتبط بموقفي من نظام الحسن الثاني، كنت أقول دائما إن المخزن قوي وبنية متينة له أتباعه ويتوفر على دولة ذات وسائل، والدولة قبل كل شيء هي الحق في استعمال العنف، وقد فهم الحسن الثاني هذه النظرية الميكيافيلية بشكل دقيق جدا، وهو الأمر الذي جعلني ألح على مسألة إصلاح هذا النظام من الداخل، من خلال التقليص من صلاحياته وتقزيم سلطاته والبحث عن طريق آخر للتغيير هو الديمقراطية. دعني أخبرك أيضا في هذا الصدد، هل كان بمقدور أحد في تلك اللحظة أن يرفض عرضا للعمل مع الديوري في النشاطات التجارية التي كان يزاولها. لا أعتقد ذلك إطلاقا، لأن الديوري كان غنيا جدا وكان العمل سيدر على العاملين معه أموالا طائلة، والعبد الضعيف الذي يتحدث أمامك الآن سبق له وأن رفض عروضا متكررة من لدنه، حيث كنت أجيبه بالقول إني لا أشتغل مع الأصدقاء، وكان يقبل أفكاري على مضض. في هذه الفترة أو بعدها بقليل، سيكتشف الديوري أنه كان مريضا ليسخر بذلك كل وقته للعلاج ولم يثر معي من جديد قضية إسقاط نظام الحسن الثاني، وللصدف، فقد حصلت على عمل في نفس السنة التي اقترح علي العمل معها، ومع ذلك واصلت نضالاتي التي كانت متمحورة وقتئذ حول ما يدور بالجزائر.

«20 يونيو… عندما ضاق العيش واتّسع النزيف»

  «20 يونيو… عندما ضاق العيش واتّسع النزيف» "في ذلك اليوم، صار الخبز سؤالاً… والكرامة جواباً دامياً." بعض المحطات التاريخية تواصل ...