السبت، 20 يونيو 2026

«20 يونيو… عندما ضاق العيش واتّسع النزيف»

 «20 يونيو… عندما ضاق العيش واتّسع النزيف»

"في ذلك اليوم، صار الخبز سؤالاً… والكرامة جواباً دامياً."
بعض المحطات التاريخية تواصل حضورها بما خلّفته من أثرٍ في الوجدان الجماعي، حتى تغدو أبقى من زمن وقوعها. ويظلّ 20 يونيو 1981 تاريخًا أثقل من أن تطويه السنوات؛ فقد اختار الإقامة في الذاكرة كندبةٍ مفتوحة، تذكّر بأن للصبر حدوداً، وأن الشعوب حين تبلغ أقصى الألم تمنح صوتها للصرخة.
تكشف احتجاجات 20 يونيو 1981 عن مآلِ تراكماتٍ اجتماعية واقتصادية امتدت زمنًا طويلًا، حتى تحوّلت إلى حالةٍ من الاحتقان لم يعد بالإمكان احتواؤها. فقد جاءت الزيادات الصاروخية في أسعار المواد الأساسية كالقشة التي قصمت ظهر القدرة على الاحتمال، وأشعلت فتيل الغضب في الدار البيضاء، المدينة التي كانت تنبض بعرق العمال وصبر الكادحين.
صبيحة 28 ماي 1981، استيقظ المغاربة على وقع خبر بثته وكالة المغرب العربي للأنباء، يعلن عن زيادات جديدة في أسعار المواد الأساسية: 40% في الدقيق، 50% في السكر، 28% في الزيت، 14% في الحليب، و76% في الزبدة… زيادات لم تكن معزولة، بل جاءت امتداداً لسلسلة غلاء فاحش عرفته البلاد منذ 1979 و1980، حتى بلغت نسباً مهولة تجاوزت 200% في بعض المواد.
في البرلمان، برر وزير المالية آنذاك القرار بكونه “ضرورة اقتصادية” فرضتها وضعية صندوق الدولة. لكن الشارع لم ير في الأرقام سوى تجسيد مباشر لمعاناته اليومية. وبين لغة الأرقام ولغة الجوع، كانت الهوة تتسع.
في هذا المناخ المشحون، أعلنت نقابة الاتحاد المغربي للشغل إضراباً عاماً يوم 18 يونيو بالدار البيضاء والمحمدية، سرعان ما وجد صداه لدى الكونفدرالية الديمقراطية للشغل، التي التحقت به ودعت إلى إضراب وطني يوم 20 يونيو، عبر جريدتي «المحرر» و«ليبراسيون»، سانده حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية.
جاء صباح 20 يونيو مختلفاً… هدوء ثقيل خيّم على المدينة، كأنها تحبس أنفاسها. أُغلقت الدكاكين، توقفت الحركة، وبدا الفراغ كرسالة احتجاج صامتة. غير أن السلطة لم تقبل بهذا الصمت، فسارعت إلى إرغام التجار على فتح محلاتهم، واستقدام سائقين لتشغيل الحافلات، في محاولة لكسر الإضراب.
لكن الإضراب تحوّل تدريجيًا إلى حراكٍ شعبي واسع، ملأت أصداؤه شوارع الدار البيضاء وأحياءها، معبّراً عن احتقانٍ اجتماعي واقتصادي ظلّ يتراكم في النفوس سنواتٍ طويلة.
حينها، تحركت آلة القمع.
تدخلت قوات الأمن، مدعومة بالقوات المساعدة والدرك والجيش، واستُخدمت المروحيات والدبابات… ثم الرصاص الحي. سقطت أولى الضحايا، طفلة في الثانية عشرة من عمرها بدرب غلف، وسرعان ما امتد النزيف إلى شوارع وأزقة المدينة. كانت الإصابات قاتلة، مركزة في الرأس والصدر، في مشهد يوحي بأن الرصاص لم يكن للتخويف… بل للإخماد.
استمر العنف إلى غاية 21 يونيو، وامتلأت السجون بآلاف المعتقلين، حيث قُدر عددهم بحوالي 26 ألفاً. اقتُحمت البيوت، ونُفذت اعتقالات عشوائية، واستهدفت القيادات النقابية والسياسية، من بينها نوبير الأموي الكاتب العام للكونفدرالية الديمقراطية للشغل ومصطفى القرشاوي عضو المكتب السياسي للاتحاد الاشتراكي ورئيس تحرير جريدة المحرر التي مُنِعت من الصدور إلى جانب جريدة ليبراسيون،
في المحاكم، وُزعت أحكام ثقيلة، وصلت في غرفة واحدة إلى 1400 سنة سجناً. ولم تسلم حتى رمزية العدالة، حين عوقب القاضي سبيلا لتجرؤه على إصدار حكم مستقل في قضية مولاي عبد الله مستغفر، الكاتب العام للنقابة الوطنية للتجار الصغار والمتوسطين الذي اعتُقل بدوره وحُكم عليه لاحقاً بالسجن، قبل أن يغادر الحياة سنة 1983 مثقلاً بمرض أنهك جسده.
أما حصيلة الضحايا، فظلت محل جدل كبير: المعارضة تحدثت عن أكثر من 637 شهيداً، بينما حصرها وزير الداخلية إدريس البصري في 66 فقط، نافياً استخدام الرصاص الحي، ومطلقاً توصيفه المستفز: “شهداء كوميرا”.
في المقابل، بررت الدولة تدخلها بوجود مؤامرة خارجية، خاصة مع تزامن الأحداث مع مؤتمر نيروبي حول قضية الصحراء. وفي خطاب رسمي، وصف ملك البلاد آنذاك المتظاهرين بـ“أقلية مارقة”، معبّراً عن خيبة أمل ومرارة من انزلاق الاحتجاج إلى العنف.
لكن خلف كل خطاب، كانت الحقيقة أكثر تعقيداً… وأكثر ألماً.
فالأزمة لم تكن فقط أزمة أسعار، بل كانت أزمة بنية اقتصادية مختلة، وتوترات اجتماعية متراكمة، وسياق سياسي موسوم بسنوات الرصاص. كما زادت حرب الصحراء وتراجع مداخيل الفوسفاط من حدة الاختناق، في وقت كانت فيه المطالب الاجتماعية تتصاعد دون استجابة كافية.
ورغم مرور السنوات، لم تُكشف كل خيوط تلك الأحداث. لم تُحصر لوائح الضحايا بشكل نهائي، ولم تُفتح كل المقابر الجماعية. حتى هيئة الإنصاف والمصالحة، رغم جهودها، لم تستطع إماطة اللثام عن كل الحقيقة، وإن كشفت سنة 2005 عن مقبرة تضم 77 جثة، ليُعاد دفن الضحايا لاحقاً في مقبرة رسمية سنة 2016.
يبقى 20 يونيو 1981 أكثر من مجرد تاريخ… إنه مرآة تعكس لحظة انكسار بين الدولة والمجتمع، بين القرار الاقتصادي والكرامة الإنسانية. ورغم محاولات الطي والنسيان، لا تزال تلك الصفحة مفتوحة، تُستدعى كلما عاد سؤال العدالة الاجتماعية، وكلما ارتفعت الأسعار من جديد.
فبعض الأحداث لا تموت… لأنها لم تُحسم بعد.
م.إسماعيلي
2023/06/20
المصادر والمراجع:
▪︎ الاحتجاج المغربي والخطاب السوسيولوجي، إيمان الرامي.
▪︎ الانتفاضات الحضرية بالمغرب، دراسة ميدانية لحركتي مارس1965 ويونيو1981، الجزء الأول، عزيز خمليش.
▪︎ الحركات الاحتجاجية بالمغرب، مؤشرات الاحتقان ومقدمات السخط الشعبي، عبد الرحيم العطري.
▪︎ في غمار السياسة فكرا وممارسة، الجزء الأول، محمد عابد الجابري.
▪︎ السلطة والمعارضة، المجال السياسي العربي المعاصر (حالة المغرب)، عبد الإله بلقزيز.
▪︎ العنف والديمقراطية، عبد الإله بلقزيز .
▪︎ طروحات حول المسألة الاجتماعية، منشورات الأحداث المغربية محمد جسوس
▪︎ شيء من الذاكرة.. حول انتفاضة 20جوان1981 الدامية بالدار البيضاء، عبد الرحيم التوراني، الحوار المتمدن عدد 2015/06/20م.
▪︎ انتفاضة 20يونيو1981 وقائع ودروس، حسن الصعيب، الحوار المتمدن عدد 2017/06/20م.
▪︎ شهداء كوميرة، ويكيبيديا.
▪︎ احتجاجات 1981 بالمغرب، الجزيرة نت.Med Ismaili



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

«20 يونيو… عندما ضاق العيش واتّسع النزيف»

  «20 يونيو… عندما ضاق العيش واتّسع النزيف» "في ذلك اليوم، صار الخبز سؤالاً… والكرامة جواباً دامياً." بعض المحطات التاريخية تواصل ...