البطيوي: عسكريون أوهموا الديوري بتسجيل صوتي أنهم ينفذون عملية لاغتيال ولي العهد
قال إنهم كانوا يقولون لهم إنهم حاولوا قتل ولي العهد حينما كان يقوم بحصة رياضية بغابة المعمورة
محمد أحدادنشر في المساء يوم 15 - 07 - 2014
في كراسي الاعتراف تجري العادة أن يسرد المحاور حياته منذ أن رأى نور الحياة الأول إلى نهاية مساره الحياتي، لكن محمد البطيوي، آثر أن يسير ضد هذا المنطق، ويشرع في بناء الأحداث بالطريقة التي يراها هو مفيدة للتاريخ المغربي، أي أنه اختار أن يبدأ بلحظة عودته إلى المغرب بعد 27 سنة من حياة المنفى الاضطراري تارة، والاختياري تارة أخرى. في بروكسيل، يتذكر البطيوي قصته مع الاعتقال والتعذيب البشع الذي تعرض له بمدينة وجدة، بعدما ورد اسمه إلى جانب طلبة آخرين في اللائحة السوداء للمشاركين في إضرابات سنة 1984، ويتوقف طويلا عند تجربة المنفى وقصة هروبه من المغرب وعلاقته بمومن الديوي، أحد أبرز معارضي نظام الحسن الثاني، ويعود، فوق ذلك، إلى تفاصيل تنشر لأول مرة حول التنسيق الذي كان يجري خارج المغرب للإطاحة بالحسن الثاني.
- أعود لأسألك من جديد، ألم يسبق لك أن رأيت معه شخصية سياسية مغربية في منزله بباريس ربما ينسق معها لاغتيال الملك الراحل الحسن الثاني؟
لا أبدا، لكن أنا متيقن من شيء وحيد، هو أنه كانت هناك مجموعة في المغرب تبيع الوهم للديوري بطريقة ساذجة في بعض الأحيان، وأعتقد أن هذه المجموعة كانت تنتمي إلى الجيش المغربي، لأنها كانت ترسل مجموعة من التسجيلات للديوري فيها أصوات لطلقات نارية يقول عنها أصحابها إنها عبارة عن محاولة اغتيال لولي العهد آنذاك محمد السادس بغابة المعمورة، حيث كان محمد السادس يقوم بحصة رياضية.
- هل أنصت أنت إلى هذا التسجيل، وهل تعرفت إلى تلك الأصوات التي تقول إنها قامت بمحاولة اغتيال لولي العهد محمد السادس؟
في أحد الأيام أراني التسجيل وأنصت له ولم يكن فيه سوى أصوات، كنت موقنا أنها مسرحية أتقنت تلك المجموعة إخراجها لإيهام الديوري أن الأمر يتعلق حقا بعملية اغتيال مقابل الحصول على المال، خاصة وأنهم يعلمون أن الديوري سيغدق عليهم الكثير من الأموال. وأنا أتصور أن هؤلاء كانوا يذهبون إلى الغابة أو إلى أقرب مكان تدريب ويطلقون أعيرة نارية ويشرعون في الصراخ ليبدو المشهد وكأنه محاولة حقيقية لاغتيال ولي العهد، إذ كنت أسمع أصواتا من قبيل «شبر.. قبط.. ضرب.. جري عليه». لقد كنت أحذره دائما من مغبة الوثوق بهاته التسجيلات وقلت له مرارا إنه فقط سيناريو سيئ الإخراج. مرة أخبرت الديوري أنه يتعاطى بنوع من السذاجة مع هذه التسجيلات، وقلت له إنك لم تر أي شيء أو تسجيل مصور يمكن أن يدل على صحة تلك التسجيلات وفوق ذلك يمكنني أنا شخصيا ابتداء من اليوم الموالي أن أقوم بمثل هذه العمل، لكنه للأسف كان مسكونا بما أسميه دائما عقدة الحسن الثاني، وكان يقول لي إنه يعرفهم شخصيا وأنهم بالفعل قاموا بمحاولة اغتيال الملك الحالي محمد السادس بغابة المعمورة.
- مرة أخرى لم تسأله عن هوية هؤلاء الذين تسمع أصواتهم في التسجيلات؟
كان السؤال دائما يتبادر إلى ذهني وكنت أساله بين الفينة والأخرى وأكرر السؤال بصيغ مختلفة لسبب وحيد، لأعرف هؤلاء الذين يستغلون سذاجة بعينها، لأن الديوري كان ذكيا جدا، لكن لم يسبق له أن أخبرني عن الشخصيات العسكرية التي ينسق معها أو حتى السياسية، ولن يفعل ذلك حتى ولو كان على فراش الموت. أعرفه جيدا، حينما يتعلق الأمر باغتيال الحسن الثاني أو ولي العهد محمد السادس، يرتكن إلى الصمت رغم أنه يتجول في كل أنحاء أوربا، وكنت في كل مرة أحزر كونه يحضر لعملية انقلابية فاشلة. لم يكن لدى الديوري كما كان عند الانقلابيين الآخرين، كان يريد رأس الحسن الثاني وبأي ثمن كما أخبرتك من قبل، ولذلك فشلت كل محاولاته، مع العلم أنه خسر أموالا طائلة مقابل التحضير لها، وأؤكد لك أن الكثير من الشخصيات العسكرية والسياسية المغربية استفادت كثيرا من الديوري على المستوى المادي لأنه كان سخيا جدا.
- لم يكن الديوري يتضايق من معارضتك له ومن انتقاداتك الدائمة له، حيث لاحظت طيلة فصول الحوار أنك كنت دائما معارضا له ولم يسبق لك بتاتا أن وافقت على فكرة من أفكاره رغم أن الجميع يعرف من يكون الديوري وماذا يريد، بل وقلت إنك لم تكن مع فكرة قلب نظام الحسن الثاني، بينما مواقفك المعروفة تنبئ بعكس ما تقول تماما...
علاقتي بالديوري لم تكن علاقة مصلحة قائمة على المال، وهذا هو السر بالضبط وراء انتقاداتي الدائمة له بخصوص كل المحاولات الفاشلة التي قام بها من أجل إسقاط نظام الحسن الثاني بالمغرب، وثانيا لأن الديوري كان يعزني كثيرا ويرى في صديقا صادقا ولا يتوانى عن التعبير عن أفكاره حتى ولو لم تكن تسير في مجرى تفكيره. بطبيعة الحال كان يتضايق في بعض الأحيان من هذه الأفكار لكنه لم يقمعني يوما. وفيما يرتبط بموقفي من نظام الحسن الثاني، كنت أقول دائما إن المخزن قوي وبنية متينة له أتباعه ويتوفر على دولة ذات وسائل، والدولة قبل كل شيء هي الحق في استعمال العنف، وقد فهم الحسن الثاني هذه النظرية الميكيافيلية بشكل دقيق جدا، وهو الأمر الذي جعلني ألح على مسألة إصلاح هذا النظام من الداخل، من خلال التقليص من صلاحياته وتقزيم سلطاته والبحث عن طريق آخر للتغيير هو الديمقراطية. دعني أخبرك أيضا في هذا الصدد، هل كان بمقدور أحد في تلك اللحظة أن يرفض عرضا للعمل مع الديوري في النشاطات التجارية التي كان يزاولها. لا أعتقد ذلك إطلاقا، لأن الديوري كان غنيا جدا وكان العمل سيدر على العاملين معه أموالا طائلة، والعبد الضعيف الذي يتحدث أمامك الآن سبق له وأن رفض عروضا متكررة من لدنه، حيث كنت أجيبه بالقول إني لا أشتغل مع الأصدقاء، وكان يقبل أفكاري على مضض. في هذه الفترة أو بعدها بقليل، سيكتشف الديوري أنه كان مريضا ليسخر بذلك كل وقته للعلاج ولم يثر معي من جديد قضية إسقاط نظام الحسن الثاني، وللصدف، فقد حصلت على عمل في نفس السنة التي اقترح علي العمل معها، ومع ذلك واصلت نضالاتي التي كانت متمحورة وقتئذ حول ما يدور بالجزائر.

تعليقات
إرسال تعليق