البطيوي: الحسن الثاني بعث مقربا من شيراك إلى الديوري ومنحه شيكا على بياض لوقف إصدار كتابه حول النظام بالمغرب
البطيوي: الحسن الثاني بعث مقربا من شيراك إلى الديوري ومنحه شيكا على بياض لوقف إصدار كتابه حول النظام بالمغرب
قال إن الرئيس الغابوني عمر بانغو قال له: «لا يمكن أن تكون ضد فرنسا وكبار المثقفين يدافعون عنك»
محمد أحدادنشر في المساء يوم 18 - 07 - 2014
في كراسي الاعتراف تجري العادة أن يسرد المحاور حياته منذ أن رأى نور الحياة الأول إلى نهاية مساره الحياتي، لكن محمد البطيوي، آثر أن يسير ضد هذا المنطق، ويشرع في بناء الأحداث بالطريقة التي يراها هو مفيدة للتاريخ المغربي، أي أنه اختار أن يبدأ بلحظة عودته إلى المغرب بعد 27 سنة من حياة المنفى الاضطراري تارة، والاختياري تارة أخرى. في بروكسيل، يتذكر البطيوي قصته مع الاعتقال والتعذيب البشع الذي تعرض له بمدينة وجدة، بعدما ورد اسمه إلى جانب طلبة آخرين في اللائحة السوداء للمشاركين في إضرابات سنة 1984، ويتوقف طويلا عند تجربة المنفى وقصة هروبه من المغرب وعلاقته بمومن الديوي، أحد أبرز معارضي نظام الحسن الثاني، ويعود، فوق ذلك، إلى تفاصيل تنشر لأول مرة حول التنسيق الذي كان يجري خارج المغرب للإطاحة بالحسن الثاني.
- قاطعت الديوري بسبب علاقته بأحمد رامي، كم هي المدة التي لم تتحدثا فيها؟
أعتقد أنها دامت مدة فاقت الشهرين، وكنت غاضبا جدا منه، إذ لا يمكن لإنسان ديمقراطي أن يؤمن برجل فاشي. هذه قمة السوريالية بالنسبة إلي.
- لم يسبق للملك الراحل الحسن الثاني أن أرسل أحدا للقاء الديوري مقابل التخلي عن أفكاره الانقلابية؟
أخبرني الديوري أن الحسن الثاني أرسل أحدهم قبل صدور كتابه «من يملك المغرب» من أجل عدم نشره في فرنسا، واقترح عليه شيكا على بياض بالمبلغ الذي يريد، لكنه رفض رفضا قاطعا.
- ألم يخبرك بهوية الشخص الذي جاء للتفاوض معه؟
نعم أخبرني، وقال لي إنه كان فرنسيا مقربا جدا من جاك شيراك. أعتقد أن الحسن الثاني لم يقدر جيدا مقدار الحقد الذي كان يكنه الديوري له، ولم يكن يقدر أيضا الأموال الكبيرة التي كان يتوفر عليها، ولذلك كانت خطوة إرسال مبعوث إليه في تقديري خطوة ساذجة جدا من طرف النظام.
- بعد نفيه إلى الغابون ما الذي حدث؟
خرجت مظاهرات حاشدة في باريس وعدة مدن أخرى، وكتبت العديد من اليوميات الفرنسية الكبيرة عنه ودعت إلى إعادته إلى فرنسا، ولم تقتصر هذه الدعوات على الجرائد الفرنسية، بل حتى في بلجيكا وفي بعض البلدان الأوربية الأخرى. حكى لي الديوري أن الرئيس الغابوني عمر بانغو زاره في الفندق الذي كان يقيم فيه وقال له: من المستحيل جدا أن تكون رجلا إرهابيا تهدد الأمن الفرنسي، (وهو السبب الذي أدى إلى نفي الديوري إلى فرنسا) وكبار المثقفين والصحافيين الفرنسيين يدافعون عنك. وفي الوقت نفسه رفع محام جزائري كان ينوب عنه دعوى أمام المحكمة الإدارية الفرنسية، لأن الديوري كان يحمل صفة لاجئ سياسي بفرنسا، أي أنه يستفيد من حماية الأمم المتحدة حسب القانون الدولي في هذا المجال. فاجأت المحكمة الإدارية الفرنسية الجميع وحكمت لصالح الديوري، وشكل ذلك صفعة قوية للملك الراحل الحسن الثاني، وقال لي الديوري بالحرف إن أخبارا تأتيه تفيد بأن الحسن الثاني لا ينام بعد القرار الذي أصدرته المحكمة الإدارية الفرنسية، خاصة أنه كان متيقنا أن المعلومات التي وظفها الديوري في الكتاب خرجت من داخل القصر، بمعنى أنه كان خائفا أن تسرب معلومات أخرى من داخل القصر لصالح الديوري.
في سنة 1995، نشرت جريدة «لوموند ديبلوماتيك» خبرا يفيد بأن الحسن الثاني لن يعيش طويلا، كيف تعاطى الديوري مع هذا المعطى الجديد؟
لا أخفيك، أحسست أن الديوري أصيب بالتيه، وكنت ألحظ تغير سحناته كلما أثرت سيرة الملك الراحل الحسن الثاني، كيف لا وخصمه الأول في حياته الذي بنى عليه كل قضاياه الوجودية سيموت في غضون ثلاث سنوات. لقد كان حلم الديوري أن يكون أول من يقلب النظام بالمغرب، وأن يدخل التاريخ من أوسع أبوابه حينما تنجح محاولته الانقلابية، كان الأمر بمثابة «فونتازم» يسكن الديوري ويلازمه في كل تفاصيل حياته اليومية، كان يقول لي إنه هو من سيبني نظاما جديدا بالمغرب وهو من سيقضي على الحسن الثاني وهو.. وهو..، كنت أعرف أن الأمر يسيطر عليه إلى درجة مرضية في بعض الأحيان، وكل الكلام الذي قلته له هو الذي انتصر في الأخير، فلا هو قلب النظام ولا هو قضى على الحسن الثاني كما كان يحلم، كل ما فعله في آخر حياته أنه دخل إلى المغرب وكتب رسالة إلى محمد السادس.
سأعود بالتفصيل إلى حدث عودته إلى المغرب، دعنا نتوقف عند المرحلة التي تلت سنة 1995، هل تحسنت علاقتك بالديوري؟
تحسنت كثيرا، وذاب جليد الخلاف بيننا رغم أن أفكارنا كانت متعارضة تماما. أتذكر أنه بعد إعلان خبر وفاة الحسن الثاني بعد 3 سنوات كما نشرته جريدة «لوموند ديبلوماتيك»، قلت للديوري إنه لم يكن على صواب حينما كان يعتقد أن النظام يتجسد في الحسن الثاني وحده، فهناك المؤسستين العسكرية القوية والدينية، وهناك اللوبي الاقتصادي والإداري، وللأسف الشديد، فإن الديوري لم يكن يأخذ كلامي في بعض الأحيان على محمل الجد. خبر وفاة الحسن الثاني الذي نشر على صفحات الجريدة الفرنسية حول الديوري إلى كائن حزين بمعنى أنه فقد سبب وجوده في الحياة، وهذا أمر قاس في تقديري لم يقدر الديوري على تحمله لفترة طويلة.
- ألم يحك لك الديوري عن طرق التعذيب التي تعرض لها حينما اعتقل برفقة مجموعة اليوسفي سنة 1963؟
لم يحك لي الشيء الكثير، لكنه كان يتذكر دائما التعذيب القاسي الذي تعرض له، وأعتقد أن ذكريات التعذيب هي التي كانت تحرك الديوري من أجل القضاء على النظام بالمغرب، وقد حكى لي يوما أنه قبل أيام فقط من بدء محاكمتهم أتوا به إلى فيلا أوفقير كي يقنعوه بالشهادة ضد أصدقائه، خاصة اليوسفي، بأنهم كانوا يخططون لقلب النظام بالمغرب، وألبسوه بطريقة جيدة ومنحوا له الطعام، وفي لحظة معينة رأى رجلا في الشرفة تبين له أنه الملك الحسن الثاني، وكان داخل الفيلا رجل أحمق يقوم بحركات غريبة كانت تضحك الحسن الثاني على نحو غريب.

تعليقات
إرسال تعليق