التخطي إلى المحتوى الرئيسي

البطيوي: أخي الأكبر انتحر كمدا من مضايقات نظام الحسن الثاني لعائلتي بسبب مواقفي بالخارج

 البطيوي: أخي الأكبر انتحر كمدا من مضايقات نظام الحسن الثاني لعائلتي بسبب مواقفي بالخارج



حكى أن أمه ماتت بسبب «الفقصة» وقال: «سأبقى في حرب باردة مع المخزن وأجهزته حتى يعتذر عما لحق بي»
نشر في المساء يوم 21 - 07 - 2014

في كراسي الاعتراف تجري العادة أن يسرد المحاور حياته منذ أن رأى نور الحياة الأول إلى نهاية مساره الحياتي، لكن محمد البطيوي، آثر أن يسير ضد هذا المنطق، ويشرع في بناء الأحداث بالطريقة التي يراها هو مفيدة للتاريخ المغربي، أي أنه اختار أن يبدأ بلحظة عودته إلى المغرب بعد 27 سنة من حياة المنفى الاضطراري تارة، والاختياري تارة أخرى. في بروكسيل، يتذكر البطيوي قصته مع الاعتقال والتعذيب البشع الذي تعرض له بمدينة وجدة، بعدما ورد اسمه إلى جانب طلبة آخرين في اللائحة السوداء للمشاركين في إضرابات سنة 1984، ويتوقف طويلا عند تجربة المنفى وقصة هروبه من المغرب وعلاقته بمومن الديوي، أحد أبرز معارضي نظام الحسن الثاني، ويعود، فوق ذلك، إلى تفاصيل تنشر لأول مرة حول التنسيق الذي كان يجري خارج المغرب للإطاحة بالحسن الثاني.
- الديوري أصبح مقتنعا تماما أن فرنسا لا يمكن أن تساعده على قلب النظام بالمغرب، وقد كان ذلك جليا حينما تم نفيه إلى الغابون رغم أن العلاقات بين فرنسا والمغرب كانت متوترة في تلك الفترة، سيجرب الديوري كما قلت التنسيق مع الأمريكيين، ما حدود هذا التنسيق، وهل اقتنع الأمريكيون بأفكار الديوري؟
أنا لا أعرف ما الذي حصل بالضبط في الولايات المتحدة الأمريكية، بيد أن زيارات الديوري إلى أمريكا أخذت منحى متسارعا في لحظة معينة، وكنت أدرك أن الديوري يخطط لمحاولة جديدة تنبأت لها بالفشل منذ البداية، فما يحركه لم تكن بواعث سياسية بل نفسية كما قلت لك سلفا، لذلك كان الفشل سيصيب أي مشروع يفكر فيه من أجل القضاء على الملك الحسن الثاني. تكونت قناعة أساسية لدى الديوري بأن فرنسا لن تساعده، بل ستمنع وستحاصر أي فكرة يمكن أن تفضي إلى تغيير النظام بالمغرب. الأهم أن الديوري التقى كلينتون بواشنطن، ولا أعلم حقا ما إذا كان قد أثار مسألة تغيير النظام معه، حيث لم يسبق له أن أخبرني بذلك.
- أعتقد أن ذلك حدث في سنة 1997، أي قبل سنتين فقط من وفاة الملك الراحل الحسن الثاني، هل كان الوقت أقوى من الديوري أم أن مخططاته كانت تبوء بالفشل دائما؟
ما أتذكره جيدا أن الديوري أصيب بالذهول من الطريقة التي تمت بها البيعة، إذ مرت بسرعة قياسية واستدعي مولاي هشام من أجل التوقيع عليها. لم يفهم أي شيء وكأنه رأى أحلامه تتبخر، وكل الأوهام التي بناها طيلة عشرات السنوات تبخرت جميعها، أعتقد أن العلاج بالصدمات مفيد جدا بعض الأحيان، فربما في تقديري كان حدث البيعة بمثابة الصدمة للديوري. لم ينجح الديوري في كل مخططاته، لأنه عول على أناس انتهازيين كان همهم الوحيد هو مراكمة الثروات مستغلين سذاجته السياسية بالرغم من أنه كان حاد الذكاء في الأمور التجارية، وكذلك بسبب، وكما أردد دائما، عدم قدرته على التخلص من عقدة أصيلة فيه اسمها الحسن الثاني. لقد كان في وسعه أن ينجح في محاولات كثيرة فكر فيها ودبر لها في مراحل مختلفة، لكن الأسباب التي ذكرتها حالت دون ذلك.
- قبل حدث البيعة، هل فكرت في العودة إلى المغرب أم اتخذت قرارك النهائي بعدم العودة؟
(يأخذ نفسا عميقا)، بل في تلك الفترة قررت بشكل قطعي ونهائي أن لا أعود إلى المغرب يوما، صرت أكثر حقدا عليه من ذي قبل.
- لماذا؟
في سنة 1998، انتحر أخي عبد الحكيم البطيوي، بعدما وصلت به درجة الحنق إلى أقاصيها بسبب الضغوطات الشديدة والقوية التي مارستها السلطات على عائلتي في المغرب، حيث كانت تضايقهم بشكل يكاد يكون يوميا، وكانت نشاطاتي بالخارج المناوئة للنظام هي السبب الرئيس وراء هذه الضغوطات.
لم يقدر أخي حكيم الذي كان هشا نفسيا، على تحمل الاستنطاق بصفة دورية بسبب ما كنت أعبر عنه من مواقف بالخارج، واستمر ذلك من بداية التسعينيات إلى غاية انتحاره، وأعتقد أن يوم انتحاره صادف شهر رمضان، حيث كان ينعزل في الطابق الثالث، وحينما اقتربت صلاة المغرب قدمت له العائلة وجبة الفطور، وبعد لحظات فقط رمى بنفسه ليموت في الحين. بصيغة أخرى، فالنظام بالمغرب كان وراء انتحار أخي، وأنا شخصيا أحمله كامل المسؤولية في تشريد عائلتي ودق إسفين عميق فيها، وحتى أمي مرضت مرضا شديدا بسبب كل هذه التقلبات وأصيبت ب«الفقصة» وانتهى بها الأمر إلى الموت، ودعني أخبرك أن المشهد الذي أثر كثيرا في والدتي هو رؤية أخي وقد كسرت عظامه وتهشم رأسه، والدماء تسيل من كل أنحاء جسده، إنه منظر بشع يجسد إلى حد بعيد غطرسة نظام الحسن الثاني.
ولذلك سأبقى دائما في حرب باردة مع المخزن وأجهزته، ولن أتنازل عن ذلك حتى أتلقى اعتذارا رسميا عما لحق بي وبعائلتي.( يتوقف قليلا عن الحديث)، كان بالفعل حدثا مفجعا في مساري الحياتي، وأدخلني في موجة حزن شديدة لم يسبق لي أن عانيت مثلها طوال حياتي.
- ماذا كان رد فعلك بعد أن علمت بانتحار أخيك؟
يجب أن تعرف أن عبد الحكيم هو أخي الأكبر، وقد أمضيت معه طفولتي، وكانت تربطني به علاقة قوية جدا، وعلى هذا الأساس لم أستطع أن أتحمل كل الآلام التي خلفها انتحاره، وكنت أفكر في سيناريوهات عديدة من أجل الانتقام لأخي.
شاءت الصدف في تلك السنة أن يصوت البرلمان البلجيكي على قانون يسمح للمواطنين الأجانب حاملي الجنسية البلجيكية، والذين سبق لهم أن تعرضوا للتعذيب والمعاملة السيئة في بلدانهم، برفع دعاوى قضائية ضد المسؤولين المتورطين في ذلك. طبعا كانت الفرصة مناسبة لي، ولم أفكر كثيرا لأتخذ قراري بمتابعة الملك الراحل الحسن الثاني، حيث اتصلت بمحام شهير ببروكسيل اسمه «ميشيل كراندوغج»، وشرحت له كل ما جرى لي بالمغرب والتعذيب الذي تعرضت له. في البدء كان هدفي الأساس أن أرفع الدعوى القضائية ضد الحسن الثاني، واتصلت بالديوري لأخبره بالخطورة التي أريد الإقدام عليها، فعبر عن موافقته الكاملة واستعداده لتمويل كل فصول القضية. حدث ذلك في شهر ماي من سنة 1999، وفي شهر يونيو أخذ المحامي عطلته السنوية، حيث طلب مني إعداد كل الوثائق الخاصة بملفي. بالفعل اتصلت بعائلتي وبدأت بجمع كل الوثائق التي تثبت أن النظام بالمغرب عذبني وحرمني من مواصلة الدراسة. بعد شهرين فقط، مات الحسن الثاني، وكان من المستحيل جدا أن تتابع رجلا ميتا واهتديت لحظتها إلى مقاضاة إدريس البصري، وزير الداخلية القوي في مملكة الحسن الثاني.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

احتجاجات 1965 في المغرب

  احتجاجات 1965 في المغرب احتجاجات 1965 في المغرب  هي احتجاجات وقعت في مجموعة من الشوارع بالعديد من مدن  المغرب ، وقد نشأت في  الدار البيضاء  بتاريخ مارس 1965، حيث بدأت مع احتجاجات طلابية لكنها سرعان ما توسعت لتشمل الأحياء الفقيرة والطبقة المهمشة من السكان. وقد تكبدت السلطات المغربية عدد من الخسائر حيث فقدت على إثرها عشرات من الجنود على حد تعبيرها، في حين أن الصحافة الأجنبية و  الاتحاد الوطني للقوات الشعبية  (المعروف اختصارا بـ UNFP) أحصى أكثر من 1000 حالة وفاة. الخلفية أصبح  الحسن الثاني  ملك المغرب عند وفاة  محمد الخامس  يوم 26 فبراير 1961، وفي كانون الأول/ديسمبر 1962، اختار بعض الأشخاص المعينين من أجل صياغة  الدستور المغربي في تلك الفترة  وقد أبقى السلطة السياسية في أيدي النظام الملكي، لكنه في المقابل تخلى عن السياسة الخارجية جاعلا بذلك المغرب  دولة حيادية ، وقد أعلن أيضا عن العداء لأمة الجزائر مما أدى إلى  حرب الرمال  التي دارت رحاها في الفترة نا بين 1963 و1964. قام  الاتحاد الوطني القوات الشعبية بق...

أحداث إضراب 14 دجنبر 1990 بفاس

  أحداث إضراب 14 دجنبر 1990 بفاس تركت أحداث 14 دجنبر من سنة 1990 جرحا غائرا في نفوس العديد من العائلات الفاسية، إذ خلفت أعدادا كبيرة من الضحايا الذين سقطوا برصاص قوات الأمن والجيش والدرك،  بما رافقها من مشاهد الجثت المرمية في الشوارع، والغبن الذي ظل ملازما لعائلات الضحايا والمفقودين. تعود أسباب اندلاع الأحداث المأساوية إلى إضراب عام خاضته النقابات بفاس ومدن مغربية أخرى قبل 27 سنة من الآن، وهما الكونفدرالية الديمقراطية للشغل والاتحاد العام للشغالين، من أجل "الزيادة في الأجور والتعويضات" و"إصلاح قانون الشغل" و"عودة المطرودين" و"حرية العمل النقابي"، واستجابت للإضراب العديد من ساكنة وطلبة المدينة، بسبب رفضهم لغلاء المعيشة وتدهور الأوضاع الاجتماعية. بدأت الأحداث صبيحة 14 دجنبر بتجمهر حوالي 500 طالب بساحة فلورنسا وشارع الحسن الثاني وسط المدينة. وسرعان ما انفلتت الأمور بعد صلاة الظهر، لتتحول إلى انتفاضة حضرية همت جميع الأحياء، خاصة تلك التي على أطراف المدينة (ابن دباب، وعين قادوس، وباب الخوخة، وعوينات الحجاج). فهاجم المتظاهرون المؤسسات العمومية والمرافق...

منظمة إلى الأمام : الحركة التلاميذية “انتفاضة 23 مارس 1965” الحركةالتلاميذية المغربية : تاريخ حافل بالنضال.-I-

  منظمة إلى الأمام : الحركة التلاميذية “انتفاضة 23 مارس 1965” الحركةالتلاميذية المغربية : تاريخ حافل بالنضال.-I- لقراءة المقال اضغط على الرابط اسفله © منظمة إلى الأمام : الحركة التلاميذية “انتفاضة 23 مارس 1965” الحركةالتلاميذية المغربية : تاريخ حافل بالنضال.-I- - مدونة نور الدين رياضي للعمل السياسي والنقابي والحقوقي المصدر:  https://www.riadinoureddine.com/2018/09/23-1965-i.html