رسالة من موسكو إلى سيدي افني : صور اليوتوب تكشف عيوب السياسة المغربية!
محمد نبيل مقيم بين ونشر في هسبريس يوم 10 - 06 - 2008
أود اليوم، وتحت ضغط ضرورة الأحداث المغربية الساخنة، أن أوجه رسالتي من موسكو إلى سيدي افني. فأنا في العاصمة الروسية، أسمع عن وقائع اغتصاب وقتل وتعذيب حدث في مدينة سيدي افني.
الرواية الرسمية تقول إن المظاهرات خاضها عاطلون عن العمل، على خلفية محاصرة مجموعة من الشبان منذ الثلاثين من مايو المنصرم ميناء المدينة حيث كانت 89 شاحنة في الداخل محملة ب 800 طن من السمك.
وحسب ما تناقلت وكالات الأنباء الدولية من عين المكان، أسفرت الأحداث عن جرح 44 شخصا بينهم 27 من رجال الأمن في حصيلة غير نهائية. أما تصريحات نشطاء حقوق الإنسان، فتقول إن المواجهات خلفت ما بين قتيل وخمسة قتلى... إذن ، مصادر حقوقية وصحفية تؤكد الوقائع ، لكن السلطات المغربية تنفيها بشكل قاطع وخاصة الأنباء التي ترددت عن وفاة ستة إلى عشرة أشخاص خلال تدخل قوات الأمن في المنطقة .
لكن بين لغة التأكيد و النفي ، دخل على الخط شاهد آخر ، و أعني به ، صور موقع اليوتوب في شبكة الإنترنيت التي تحولت إلى دليل آخر عن الأحداث المؤلمة التي تعرفها سيدي افني .المغاربة و المهتمون سواء كانوا في موسكو أو في استراليا أو حتى في الثلث الخالي من العالم، سيشاهدون صور الفيديو التي ألتقطها أشخاص يعيشون الأحداث عن قرب، وهم شهود تبني حقيقة التاريخ وتؤسس لبناء الخبر. فالمتصفح للإنترنيت، سيكتشف لا محالة، أن أحداث سيدي افني تحولت إلى قضية دولية، ليس بمعناها السياسي، و لكن بالمعنى الإعلامي. فكل الصور التي نشرت في الشبكة العنكبوتية ، تعكس حركة رجال الأمن التي تجاوز عددهم حسب بعض الأرقام 4000 عنصر أمن.
اليوتوب إذن، حوَّل مجرى الخبر حول أحداث سيدي افني من بعده المحلي وأدخله بعدا عالميا . فالعقلية التي كانت تصادر الجريدة بأمر من السلطات المغربية أو منع جريدة دولية من التوزيع و ما شابه ذلك من قرارات الرقابة التي طالت وما زالت تطال المؤسسات الإعلامية الدولية والمحلية حتى كتابة هذه السطور، قد أمست متجاوزة ، لأن لإخفاء الحقائق و الوقائع عن المواطن يعتبر عملية فاشلة. فاليوم ، وبفضل موقع اليوتوب ، يمكن لك أن ترى كيف تتحرك قوات الشرطة المغربية في سيدي افني، وتترصد المواطنين في كل مكان من المدينة ، كما يمكن أن ترى صورا حية عن مواطنين يتحدثون عن أفضال المعمر الأسباني على آبائهم و أجدادهم ، وعن رغبتهم في مقاومة كل أجهزة القمع من أجل مصلحة سكان المنطقة . فالمعركة معركة كرامة كما نستشف من أقوال أحد الشهود من شباب المنطقة، وهو يرفض التهميش الذي أغرق المنطقة كمثيلاتها من مناطق المغرب غير النافع ! مدينة سيدي افني ، التي كانت قلعة من قلاع النضال ضد المعمر ، بدت في الصور محاصرة و الاعتقالات مستمرة و التهجم على بيوت السكان ، والخسائر الذي خلفتها هذه المداهمات واضحة للعيان ، وما نفي الوزير الأول عباس الفاسي وقوع أي أحداث في سيدي إيفني، إلا ضربا من ضروب الخيال أو الجنون . فإما الوزير الأول يجهل وجود الإنترنيت وما زال يفكر بعقلية المصادرة والمنع وإخفاء الحقائق، و إما يتجاهل ما يقع، وفي كلتا الحالتين، الفضيحة واحدة ! اليوم، و في زمن اليوتوب و الانترنيت ، أضحت التصريحات الرسمية و كلام الصحف الصفراء في خبر كان، فالتكنولوجيا والتقنية تجعل من الصورة شاهدا حيا في العديد من الأحداث السياسية التي يعرفها المغرب ، بل إن صورة المغرب السياسية في الخارج تظل رهينة هذا التوظيف لصور الفيديو في الإنترنيت .
الصحافيون و أصحاب القرار السياسي الدولي في كل بقاع العالم، يطلعون على صور الإنترنيت الحية عن شؤون المغرب و يجعلونها كشاهد في كتابة نصوصهم الصحفية أو اتخاذ جملة من القرارات الصعبة. فالقضايا التي خسرها ويخسرها المغرب أصبحت بالجملة. المتخصصون يعرفون دواعي هذا الفشل الذي سنعود إليه في مناسبة مقبلة.
القناص أصبحت صفة يحملها كل مواطن يتوفر على كاميرا رقمية يسجل بواسطتها جزءا من تاريخ بلاده ، أما لغة عباس الفاسي ومن يدور في فلكه، فقد أكل عليها الدهر و شرب .ونصيحتي للحكومة المغربية وأصحاب القرار السياسي في البلاد ، هي إما أن يواكبوا التطور و العقلية الجديدة أو ينسحبوا ، خدمة للحقيقة و لمصلحة المغرب و المغاربة ! ""
********
أظهرت أشرطة فيديو بثت على موقع «يوتوب» على الأنترنيت لقطات من التدخل الأمني ضد احتجاجات ساكنة سيدي إفني يوم السبت الماضي. وقالت تعاليق كتبت تحت هذه الأشرطة إنها نشرت على هذا الموقع الذي يزوره ملايين من الزوار يوميا، فضح ما ورد على لسان الوزير الأول عباس الفاسي، في تصريح له يوم أول أمس الأحد، من نفي لوقوع أية أحداث «بشكل قاطع» في هذه المدينة، «كما روجت لذلك بعض الشبكات التلفزيونية»، موضحا أن ما وقع بالمدينة لا يعدو كونه مجرد «تعبير عن مطالب».
وأكد عباس الفاسي، في تصريح للقناة التلفزية الثانية بثته في نشرتها الإخبارية الزوالية ليوم الأحد، أنه «لم تكن هناك أية أحداث في سيدي إفني نهائيا وبتاتا، ولكن هناك من حين إلى آخر تعبير عن مطالب» من لدن المعطلين الباحثين عن الشغل.
وعبر الوزير الأول عن اعتزازه ب«الاستقرار الذي تعرفه هذه الأقاليم وبانضباط السكان وتعلقهم بالعرش وبمغربيتهم».
ويظهر الشريط الأول دخول تعزيزات أمنية ليلة الجمعة/السبت إلى المدينة، وهي الليلة ذاتها التي شهدت في وقت متأخر بداية المواجهات بين الأمن والمحتجين، انتهت باعتقال عدد من السكان وجرح آخرين، فيما تباينت الأنباء حول وجود قتلى. أما الشريط الثاني فيظهر أجزاء من هذه المواجهات ولقطات من اعتقال بعض المحتجين. في حين يبين الشريط الثالث امرأة تعبر عن غضبها من اقتحام بيتها وسرقة بعض أثاثه بما ذلك عطرها.
و على علاقة بالأحداث، قال المركز المغربي لحقوق الإنسان إن احتجاجات المواطنين بالمدينة جاءت بشكل عفوي، رابطا إياها بما دعاه ب»التهميش الذي لحق بالمنطقة جراء غياب فرص التنمية الاقتصادية وانتشار البطالة ومظاهر التسيب في بعض الأحياء، فضلا عن الوعود الكاذبة التي قطعها ممثلو السلطة للسكان، خاصة في ما يخص إحداث عمالة بالمدينة». وذهب إلى أن التدخل الأمني لفض الاعتصامات التي قامت بها مجموعة من المواطنين قرب الميناء، اتسم «بالكثير من العنف وشتى أشكال السب والقذف والحط من الكرامة، من قبيل محاولات الاغتصاب، والاعتقالات التعسفية وانتشار أعمال النهب وسرقة ممتلكات المواطنين، حسب شهود عيان، مما نتج عنه سقوط ضحايا»، موردا احتمال حدوث وفيات.
وفي المقابل، دعت جمعية الصحراء المغربية إلى ما سمته ب»اليقظة ضد أعداء المغرب بشكل عام»، وذلك على إثر هذه الأحداث. وأكدت الجمعية، في بلاغ لها، رفضها التام وإدانتها لدخول عدد من الناشطين من تيارات إيديولوجية مختلفة على خط أحداث يوم السبت الماضي «لتحريض السكان على التمرد، ليس ضد قوات الأمن أو السلطات المحلية، وإنما ضد المغرب».
وأبرزت أن التحريات التي قام بها أعضاء الجمعية تفيد بأنه لم تسجل أي حالة اغتصاب خلال تدخل قوات الأمن، كما أنه لا توجد أي إثباتات ملموسة تؤكد ما صرحت به ثلاث نساء بخصوص سرقة حليهن.
**********
«مسكين شداروليه» هكذا كان ينبعث صوت إحدى السيدات من خلف نافذة بيتها الأزرق وهي تتابع من وراء كاميراتها الصغيرة، التي كانت تحاول إخفاءها بين الحين والآخر، تفاصيل تدخل أمني عنيف بحي بولعلام صباح أول أمس الثلاثاء، والذي بثه موقع «يوتوب» ظهر أمس تحت عنوان «نعدكم بالانتقام يا أبطالنا» المشهد الذي كان قويا إلى حدود الصدمة: شخصان يمران بالشارع، رجل بشعر أشيب وشاب في العشرينات، يتلقفهما سبعة من رجال الأمن، قوات التدخل السريع، القوات المساعدة ورجل شرطة، يحاصرونهما عند باب أحد المنازل، وبدون كلام يبدأ الضرب بالزراويط السوداء الطويلة.
المشهد الثاني: تلتحق برجال الأمن السبعة كتيبة من القوات المساعدة في حدود خمسة، ويبدأ عرض آخر أكثر عنفا. يركض رجل من القوات المساعدة بأقصى سرعة ويقفز إلى الأعلى ويرفس بطن الشاب. الرجل الأشيب يتوسل رجال الأمن الخاص، يتلقى أربع ضربات بالعصي قبل أن يعفى عنه، ربما بسبب شيبه، ثم يتكفل رجلان من القوات المساعدة باقتياده خارج إطار الكاميرا. فيما الأشيب يحاول أن يدير رأسه إلى الخلف لمعرفة أحوال رفيقه، الذي سيكون الضحية الأكبر لهذا التدخل ويسمع تعليق السيدة صاحبة الكاميرا وهي تقول: «ويلي مسكين يغوت.. يحرق جد بوكم.. الكلب» فيما يستمر رجال التدخل السريع في ضرب الشاب العشريني ذي القميص البني والقبعة الشمسية.
في دقيقة من الزمن، وهي مدة الشريط تقريبا، تلقى الشاب، ما يقارب 30 ضربة بالعصي السوداء من كل الجهات وفي كل أنحاء جسده، وما يقارب 20 صفعة وركلة، ليفقد توازنه ويسقط على الأرض، حيث لم يعد قادرا على الوقوف منذ القفزة التي قام بها صاحب الزي الكاكي على بطنه، ورغم ذلك لم يتوقف رجال الأمن، وفي كل مرة كان يسقط فيها الشاب على الأرض كان رجال الأمن يتكلفون بحمله من جديد ولكمه وصفعه، فيما انقطع صوت حاملة الكاميرا، وسيطر على الخلفية الصوتية لهذا المشهد صراخ العديد من النسوة، في تلك الأثناء تعلق المرأة من وراء الكاميرا: «ويلي ويلي شداروليه..آميمتي آميمتي».
ينتهي النصف الأول من الشريط على هذه الكلمات وتبث صور أخرى تبرز الإنزال الأمني الكبير بمدينة سيدي إفني، والذي وصفته مصادر من عين المكان بأنه: «يفوق بكثير» عدد قوات الأمن التي استقدمت إلى المنطقة في أحداث «السبت الأسود». وهو ما ظهر بوضوح في شريط آخر على يوتوب لمشاهد التقطت ليلا بسيدي إفني تظهر العدد الكبير لسيارات رجال الأمن من خلال أضواء «لاسيرين» الكثيفة التي كانت تضيء ليلة الثلاثاء في المنطقة.
وإلى حدود ظهر يوم أمس بث أبناء المنطقة ثلاثة أشرطة قصيرة لا تتجاوز دقيقتين من الوقت، كان أبرزها الشريط الذي حمل عنوان «نعدكم بالانتقام يا أبطالنا»، بالإضافة إلى شريطين آخرين يبرزان قوة الإنزال الأمني بمدينة سيدي إفني، وإلى حدود ظهر أمس أيضا لم تنشر أية تعاليق مصاحبة للشريط على موقع يوتوب العالمي، لكن من المرشح أن يكون هذا الشريط الأكثر متابعة خلال الأيام المقبلة من لدن متصفحي اليوتوب في المغرب، كما حدث مع أشرطة «السبت الأسود».

تعليقات
إرسال تعليق