انتفاضة صفرو:الأحد 23 سبتمبر 2007
تلبية لدعوة فرع الجمعية المغربية لحقوق الإنسان، جاء المواطنون، رجالا ونساء، شبابا وشيوخا، للتعبير عن رفضهم لما لحق قدرتهم الشرائية من جراء الزيادات المتتالية في أسعار العديد من مواد الاستهلاك الأساسية. تجمعت الجماهير في الساحة العمومية بكل هدوء، ونظام. لم يأت ولو واحد منهم حاملا لا للعصي ولا للحجارة، ولا لأي أداة عراك كيفما كانت. جاء الكادحون بحناجرهم، ولافتاتهم. وحمل بعضهم خبزا وحليبا تعبيرا عن شدة ما بلغه التجويع المقصود لأغلبية الشعب.
أنهى مسؤولو الجمعية المغربية الوقفة الاحتجاجية، ودعوا الجميع للانصراف، على موعد فرص أخرى للاحتجاج. ارتأت الجماهير الشعبية بصفرو مواصلة الاحتجاج، وقد انضمت إليها مئات أخرى من الغاضبين من الغلاء، قادمة من البهاليل والبلدات المجاورة، حاولت قوات القمع ردهم في مدخل المدينة، فتحدوها ودخلوا صفرو عبر الجبال المجاورة.
كان كادحو صفرو متجمعين بالآلاف في الساحة العمومية، يرددون الشعارات:
كيف تعيش يا مسكين والخبزة دايرة خمسين؟
<p>الاسعار زيدتو فيها والاجور جمدتوها</p>
فلوس الشعب فين مشات : سويسرا والحفلات
وغيرها مما يعبر عن التضرر من الغلاء والبطالة، ومن مجمل السياسة اللاشعبية المفروضة بالقمع. أصبح للحشد الشعبي صوت واحد. خرج الكادحون والكادحات من عزلتهم في البيوت، والتحموا جسما واحد يشعر بقوته، وله ثقة في الذات بوجه الأقلية المسيطرة والظالمة. المحتجون والمحتجات صوت واحد يطالب بالتفاوض مع عامل الإقليم، بصفته المسؤول المحلي الأول. المتضررون من الغلاء يريدون نتائج ملموسة، لا مجرد استعراض بالشارع يفش الغضب، وعودة إلي البيوت. لكن عامل الإقليم رفض أي تفاوض مع الجماهير الشعبية. بحر من البشر يحيط بمقر السلطة الأولى بالإقليم من كل جانب، ولم تجد تلك السلطة، والأخرى التي توجهها مركزيا، غير القمع: العصا والغاز للمجوعين المتظلمين مما لحقهم.
لقد سبق أن شهدت صفرو ونواحيها، قبل الأحد 23 سبتمبر، تظاهرات احتجاج عديدة ضد الغلاء، ومع ذلك سدت السلطة آذانها، تاركة البسطاء يكتوون بنار الأسعار. عامل الإقليم رفض رفضا باتا استقبال المحتجين المحتشدين الذين مكثوا أمام مقر العمالة 3 ساعات مرددين الشعارات ليفاجؤوا بتحرك قوات القمع. اعتقد المستبدون ان هراواتهم ستعيد الكادحين إلى بيوتهم عودة الدجاج. أعطيت أوامر القمع، فتحول الاحتجاج إلى شكل آخر: معركة شوارع بين شباب المدينة وقوات القمع. القمع ليس مجرد تخويف، انه إحتقار. انه امتهان لكرامة البشر. جوعونا، و ضربونا وانتظروا خضوعنا. إن في أعماق البشر شعلة رافضة للاهانة، شعلة مقاومة اشتدت بصفرو يوم 23 سبتمبر فلقنت أعداء الشعب درسا لن ينسوه، وستظل صور شباب صفرو وهو يتحدى القمع ويقاوم تقض مضاجع المستبدين ما عاشوا.
دفاع عن النفس
عامل الإقليم لا يقيم وزنا لإرادة سكان صفرو، رافضا استقبال ممثلين عنهم للتفاوض. جوع الناس البسطاء لا يهم عامل الإقليم، همه الوحيد ان ينصرفوا من حوله الى مصيرهم البئيس. الكادحون لم يقتنعوا حتى برأي مناضلي حقوق الإنسان الذين طلبوا من المحتجين الانصراف، ويريد عامل الإقليم ان ينصرفوا بالتخويف. إنها قمة الاستهانة بعزيمة البشر الكادح واحتقاره. وجب على عامل الإقليم، إن كان تلقى أوامر مركزية بمهاجمة الجماهير، ان يرفضها ويستقيل. حماية امن المواطنين معناه في هذه الحالة الامتناع عن تنفيذ أوامر إجرامية. ضرب الشعب المطالب بالخبز بالهراوات والغاز المسيل للدموع جريمة. حتى الذين اقترفوا أبشع الأفعال في تازمامارت كانوا يبررون الجرائم ضد الإنسانية بالأوامر.
بدل ذلك ووجه المحتجون بالاستفزاز. ماذا كان قصد عميد الشرطة الذي اعتدى على فتاة كانت في مقدمة المسيرة، بركلها كالحمار ببطنها ركلة أدت إلى الإغماء عليها؟ بأي قانون يسمح لنفسه بذلك؟ وضرب امرأة أخرى بكل قوة بجهاز الاتصال اللاسلكي على رأسها؟ أعطيت الأوامر بالهجوم على الحشود الغاضبة، فدافع المظلومون عن أنفسهم الدفاع المشروع. وأبدع مناضلو حرب الشوارع في أشكال التصدي للقمع. معظم المقاومين كانوا شبابا يقل عمرهم عن 24 سنة، و استمرت المواجهات من الواحدة حتى آذان المغرب. ُنصبت المتاريس، وأحرقت العجلات المطاطية لمنع تقدم سيارات الشرطة، ودافع المعرضون للضرب عن أنفسهم بما أوتوا من حجارة وعصي. سادت بين الشباب حالة من الاندفاع القتالي لا يعرفها غير من عاش نظيرها. معركة لم يخطط لها أحد. وحدها قوات القمع تلقت بثكناتها دروس "محاربة الشغب". الكادحون يبدعون في اللحظة وعين المكان. معركة بلا هيئة أركان، عفوية الغاضبين سيدة الميدان. مشاعر القهر ودوس الكرامة طيلة عقود تحولت إلى قدرة خارقة على تحدي قوات القمع المدججة والمدربة. ولعل هذه الصورة التي نقلتها الصحافة تعكس بعضا من أجواء المنازلة الشعبية لقوات القمع: "ألـسنة اللهب كانت تبدو مستعرة من مسافة بعيدة، وحالات من الغليان في كل مكان ... القنابل المسيلة للدموع تتطاير في كل الاتجاهات. والشبان الغاضبون لا يهابون قوات الأمن المحمية بالدروع الواقية والهراوات، فيتقدمون نحوها ويرشقونها على بعد أمتار قليلة بالحجارة في أحياء بنصفار، والسلاوي، وحبونة، وباب المربع، والمقاسم، وسيتي مسعودة، واحمد التدلاوي، والمدينة العتيقة. جرت أشرس المواجهات بدرب الميتر، في قلب المدينة العتيقة حاصر المحتجون الغاضبون80 من رجال الأمن في منطقة ضيقة، وأوقعوهم فيما يشبه المصيدة فذاق خلالها العشرات من رجال الأمن كل أشكال الضرب والتنكيل بعد ان هوجموا وجها لوجه من قبل المتظاهرين ..." استهدف الشباب الثائر كل رموز السلطة والرأسمال: هجوم على الكوميسارية الجديدة، والمديرية الإقليمية للشرطة، وإقامة العامل، والمحكمة، والخزينة العامة و السجن. احرقوا سيارة مقدم، وسيارة قايد...
استولى المحتجون على جرافة [طراكس] تدخلت لإزالة المتاريس، وتوجهوا بها لاقتحام السجن، لم يتمكنوا فأضرموا فيها النار. اقتحم المحتجون منزل برلماني تمكن من الفرار.أحرقت مقاطعة حبونة، ورشق مقر العمالة بالحجارة، الخ. و لم تخل المقاومة من أشكال غير مجدية كمهاجمة مدرسة، أشكال ما كان لتحدث لو كان للمنتفضين لجان تنظم كفاحهم.
قدر عدد المصابين بــ300 منهم 22 بحال الخطر، و ما لا يقل من 100 من القوات المهاجمة للمحتجين مصابون، منهم رئيس منطقة الشرطة الإقليمي، ورئيس القيادة الجهوية للقوات المساعدة. ثمة 36 معتقل منهم 10 قاصرين. و3 أعضاء بالجمعية المغربية لحقوق الإنسان[ محمد كمال المريني و بدر بوعرفة و عز الدين المنجلي]. وشهدت مدينة صفرو بعد توقف المعارك عسكرة استثنائية: إنزال قوات القمع بمختلف أنواعها ومن مدن عديدة. ترهيب لم يسبق له نظير في تاريخ المدينة. تواصل مداهمة البيوت. ودب الهلع في الدولة فخلقت حالة استنفار بفاس تحسبا لاندلاع احتجاجات شعبية. ماذا يعتقد المسؤولون هناك بالرباط أن ينتج عن سياسة تجويع الشعب وقهره طيلة عقود؟ الم يعرفوا، وهم يبتسمون لممثلي البنك العالمي والاتحاد الأوربي على طاولات تلقي التوجيهات، أنهم سيصلون إلى هذا الوضع؟ هل نسوا البيضاء 1981 وفاس 1990؟ الم يسمعوا بما جرى بالأرجنتين في 2002 وغيرها من البلدان التابعة للبنك العالمي وصندوق النقد الدولي؟
لقد انفجر الغضب الشعبي في وجه الحاكمين، ولن تكون معركة صفرو سوى غيض من فيض.
مطالبة سلمية يحولها القمع إلى أعمال عصيان وتمرد ومقاومة للقمع، ومع تراكم الخبرة إلى ثورة ظافرة. تلك نتيجة حتمية لكل سياسة طبقية تدوس مصلحة الأغلبية لصالح أقلية. يوم الأحد المجيد بصفرو يذكر بمعركة تارميلات التي بدأت بإضراب عمالي بمعمل اولماس سيدي علي، ومعركة ايفني في صيف 2005 [ راجع جريدة المناضل-ة].
اعتراف الحاكمين
يوم الاثنين 24 سبتمبر انعقد بتعليمات ملكية اجتماع حكومي خيمت عليه أجواء مشحونة بما جرى في صفرو. وكالعادة سيحرك الحاكمون العصا والجزرة، عصا كبيرة وجزرة صغيرة.
العصا الكبيرة تمثلت في استنفار القوى، وتوجيه التعليمات إلى جهاز المراقبة والقمع لاستعراض العضلات و لترصد ما يجري في الأعماق الشعبية لخنق الاحتجاج في المهد. والجزرة الصغيرة كانت إعلان إجراءات قيل إنها ستحد من الغلاء بمراقبة الأسعار ودعم الدقيق والخضر الأساسية، كأن الغلاء ناتج فقط، وأساسا، عن الغش والمضاربة. ما سبب غلاء الماء و الكهرباء؟ أليس تفويض تدبير توزيع الماء والكهرباء لشركات غايتها الربح سببا في ارتفاع الأسعار؟ أليس التخلي عن صندوق دعم المواد الأساسية سببا للغلاء؟ أليس تجميد الأجور وإرهاق الشعب بالضرائب سببا في عجزه عن مواجهة الغلاء؟ أليس إلغاء مجانية الخدمات الصحية ضربا للقدرة الشرائية؟ ممن تسخر الحكومة؟
الأمر الايجابي الوحيد فعلا في الاجتماعي الحكومي ليوم 24 سبتمبر هو انه يمثل عمليا اعترافا من الحكومة بأنها ظالمة بالأسعار، وأنها مسببة للغضب الشعبي في صفرو وفي غيره، وبالتالي فعدوانها مزدوج، بالغلاء وبالقمع. لذا يقتضي وقف الظلم إطلاق سراح جميع المعتقلين، وسحب كل قوات القمع المستقدمة الى صفرو، ومتابعة المسؤولين عن تعنيف الجماهير، والتراجع عن رفع الأسعار، وسن سياسة للقضاء على البطالة ولتلبية الحاجات الأساسية للجماهير الشعبية.
وبعد زوال اليوم ذاته جرى استدعاء المكتب المركزي للجمعية المغربية لحقوق الإنسان للاجتماع بوفد من وزارة الداخلية بدعوة من مدير الشؤون الداخلية. أكد هذا الأخير على أن المطلوب هو العمل على ألا تتكرر نفس الأحداث في الرباط و مناطق أخرى ستشهد وقفات احتجاجية ضد الغلاء. كلام يجب ان تقوله الحكومة لنفسها لأنها من تسبب بالأحداث وليس الجمعية، و لن يحل مشكل الغلاء حتى ولو اعتقلت الدولة جميع أعضاء الجمعية المغربية لحقوق الإنسان بالمغرب.
ستصعد الحكومة سياستها المدمرة لما تبقى للكادحين، وسترفقها بتجريم النضال الاجتماعي وإعدام الحريات. عمال من مناجم جبل عوام مناضلون من اجل ابسط الحقوق، كادحون بن صميم مدافعون عن مائهم، كادحون من اغبالو نيسردان مطالبون بثانوية، كادحون من صفرو ناهضوا غلاء المعيشة، الجميع ماثل اليوم أمام عدالة البرجوازية. سينضاف إليهم آخرون بقدر ما يتقدم النضال، ويصبح النضال من اجل المطالب نضالا ضد تجريم الحركات الاجتماعية.
- الحصول على الرابط
- X
- بريد إلكتروني
- التطبيقات الأخرى
التسميات
احداث صفرو 2007- الحصول على الرابط
- X
- بريد إلكتروني
- التطبيقات الأخرى

تعليقات
إرسال تعليق