انتفاضة يناير 1984 مراكش نموذجا طبيعة النظام في المغرب
النظام السياسي الملكي في المغرب يتبنى بجلاء مرجعية الاسلام و ترسيخ التقاليد البلية و الهيبة الرهبة الخوف كإديولوجية للحكم. انتماء الملك لسلالة النبي تمنحه شرعية إديولوجية في الحقول الدينية و السياسية و الاجتماعية تضفي عليه شرعية تنازعه إلى هذا الحد أو ذاك مع تطور الصراع الطبقي فيها قوى سياسية و اجتماعية و دينية.
أمير المؤمنين. سلطة الملك السياسية تمتزج و تماهى مع سلطته الدينية.
كل “محاولات” دسترة و عصرنة النظام السياسي الاجتماعي و التي كان هدفها الأساسي احتواء و إدماج نخب المعارضة السياسية و الاجتماعية و الدينية ظلت تصطدم بالسلطة الدينية و بتقليدانية الثقافة الاجتماعية التي ظل الحكم يحافظ عليها و يغذيها في حقل النخب السياسية كما في عالم النخب الاقتصادية و العلاقات الاجتماعية.
محاولات انفتاح النظام السياسي و دمقرطته منذ 1956، سنة الاستقلال، تخنقها وتحجزها السلطات السياسية المطلقة للملك و التي يستمدها من السلطة الدينية و الإديولوجية للملكية و من مجتمع تم إبقاؤه و سجنه في الثقافة التقليدية و في إديولوجية الاستبداد، الشلل و الخضوع.
ذلك يجعلنا نستحضر “خصائص” النظام السياسي المغربي و الأنظمة السياسية في العالم الثالث التي لم تنجح في إنجاز سيرورة انتقالها إلى الحداثة و الديمقراطية لتظل مربوطة و ثابثة في نظام سياسي اجتماعي مغلق و مؤسس على الإديولوجية الدينية و الثقافة التقليدية.
فشل محاولات انفتاح و دمقرطة النظام السياسي و أزمة قضية الصحراء و تحديات التطرف الإسلاموي… عوامل أدت بالنخب السياسية و الاجتماعية الديمقراطية إلى القبول بالاندماج الكامل في هذا النظام دون التشبث بالشروط الدستورية و السياسية لتأسيس و بناء انتقال فعلي إلى الديمقراطية . و بالتالي أدى هذا الوضع إلى مزيد من انغلاق النظام السياسي.
مظاهر إظهار تحديث و انفتاح النظام السياسي الاجتماعي المعلنة في خطاب و إعلام التلفزيون ينكشف خادعها ما أن يرفع الإنسان النبيه الحجاب عن الواقع الفعلي للتخلف السياسي و الاجتماعي الذي لا زال يعانيه المجتمع و الدولة في المغرب في مجال الديمقراطية و حقوق الإنسان و المواطنة الكاملة. هذه المظاهر الخادعة لا زالت تعيق التطلعات المشروعة للمواطنين و للمواطنات لتحقيق ديمقراطية و حداثة المجتمع و الدولة في المغرب.
لا أنكر أن ثقافة الخضوع و الاستعباد المسيطرة، عموما، في الوعي و الممارسة الاجتماعية للشعب في المغرب و التي رسختها عقود من غياب الديمقراطية و الحكم الفردي و استبداد و قمع الدولة المخزنية ساهمت في إعاقة التغيير الديمقراطي السياسي و الاجتماعي. و أدى هذا الواقع إلى تعميق الهوة بين النخب السياسية الاجتماعية الديمقراطية و الاشتراكية و بين الطبقات و الفئات الاجتماعية الشعبية المتروكة لأمرها.
في هذا النظام السياسي والاجتماعي المغلق المبني على الإديولوجية الدينية و الاستعباد السياسي الاجتماعي و الثقافي و تقاليد الاستبداد ارتكبت أجهزة الدولة الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان منذ الاستقلال الشكلي إلى نهاية حكم الملك الحسن الثاني.
واقع هذا النظام السياسي والاجتماعي هو السبب الذي يجعل الفئات الاجتماعية الفقيرة و المقهورة تنتفظ و تنزع عنها إيديولوجية و سلوك الخوف و تخرج للشارع لتناضل ضد نظام القهر و القمع السياسي و الاجتماعي و ضد الاستغلال الطبقي و ضد تهميشها و تفقيرها و إقصائها من توزيع ثروات البلاد التي تحتكرها و تستحوذ عليها أقلية 5% من الشعب المغربي.
اختيارات سياسية لا شعبية
منذ نهاية الحماية سنة 1956 تبين انتفاضات المواطنين التي عرفها المغرب الأزمة العميقة للنظام السياسي و الاجتماعي الذي لحد الآن لم يستطع تملك الديمقراطية و العدالة الاجتماعية و و الحداثة و تطبيقها في معيش الشعب.
ظلت السلطة السلطة المغربية ترهن السياسة و الاقتصاد المغربيين للمصالح الخارجية و خصوصا للرأسمال الامبريالي الفرنسي و للسياسة الأمريكية. و رغم ذلك ظلت هذه السلطة متشبثة بنظام سياسي اجتماعي ثقافي عتيق: المخزن. و مؤسسة المخزن ترعى كذلك اقتصاد الريع.
و نظام سياسي اقتصادي اجتماعي ثقافي كالذي لا زال سائدا في المغرب ينتج باستمرار عوامل إعاقة التحديث والتطور السياسي لبديمقراطي الخاص للمجتمع و للدولة المغربيين. و لا يغني تحديث و دمقرطة المجتمع و الدولة الانغلاق و الانعزال عن التقدم الديمقراطي و عن حقوق الإنسان الذي حققته في جميع مجالات الحياة تضحيات شعوب البلدان الديمقراطية.
منذ سنة 1983 خضعت السلطة السياسية لبرنامج إعادة التقويم الهيكلي الاقتصادي و المالي الذي صاغه مؤسسات مالية راسمالية امبريالية البنك العالمي و صندوق النقد الدولي و هو برنامج الدولة التي طبقت سياسة مالية و اقتصادية تتخلى فيها عن تمويل و عن دعم القطاع العام و الخدمات العامة من تعليم و صحة و مناصب الشغل كما هي سياسة لتطبيق لَبْرَلَة الاقتصاد و استراتيجية إلغاء صندوق المقاصة الذي يدعم مواد الاستهلاك المعيشية و تحويل المؤسسات الاقتصادية و الخدماتية العمومية الاستراتسجية للقطاع الخاص الراسمالي الامبريالي و المحلي.
هكذا مرة أخرى لجأت السلطة السياسية و حكومتها بين سنة 1983 و 1986 إلى خيارات سياسية اقتصادية لا شعبية لا تضع في اعتبارها معيش و وضع البؤس و الفقر و الهشاشة الذي يحياه أكثر من نصف الشعب المغربي الذي يرزح تحت نير الفقر و خصاص قاس و مؤلم. أكثر من ثلث المغاربة تعيش في أحياء الصفيح، الـْكَارْياناتْ، أو في مساكن وبيئة و غير صحية. كما أن الفئات الاجتماعية المحرومة لا يمكن لها و ليس لها لحد الآن إمكانية الولوج إلى الخدمات الصحية العمومية أو الخاصة الناجعة.
خوصصة القطاعات الاقتصادية و الاجتماعية العمومية في واقع يسيطر فيه اقتصاد الريع لايعمل سوى على إغناء الأغنياء الذين يسيطرون و يستفيدون من ثروات البلاد.
و بدأ مسلسل إلغاء صندوق المقاصة الذي يدعم مواد الاستهلاك الأساسية (الدقيق، السكر، الزيت، الزبدة…) بالنسبة للشعب المغربي. و عرفت أسعار هذه المواد ارتفاعا يبدأ بـ 20% (الإصانص و البنزين) ينعكس بقوة و سرعة على جميع مواد الاستهلاك الشعبية و يصل إلى 70% (الزبدة).
و بالتالي ستصل نسبة المغاربة الذين يضطرهم الوضع الاجتماعي الاقتصادي للعيش تحت عتبة الفقر إلى 45% في نهاية 1983.
في شمال المغرب والريف مصدر عيش جل المواطنين الذين يعانون وضعا اجتماعيا و اقتصاديا متدهورا، يتمثل في “التجارة الحرة” المسمات بتجارة التهريب، للمواد المستجلبة من مدينتي سبتة مليلية او الجزائر. غير أن الدولة ستفرض ضريبة جمركية تصل إلى 100 درهم يؤديها كل مواطن أو مواطنة لجلب مواد من مدينتي سبتة أو مليلية المستعمرتين من طرف إسبانيا. كما فرضت على كل سيارة مغربية تبضعت من المدينتين ضريبة 500 درهم. تجارة التهريب الصغيرة التي تمارسها الفئات الاجتماعية المحرومة في شمال المغرب يتم التضييق عليها بأساليب القمع و الرشوة. في حين أن أغلب البرجوازية الكمبرادورية و برجوازية الريع و الأعيان يتهربون من أداء الضرائب الجمركية و ضرائب الأرباح و غالبا لا تتم متابعتهم.
و كانت سلطات الحكم السابق تضيف هذا الوضع القاسي لمواطني و مواطنات مناطق الريف و شمال المغرب إلى واقع القمع و التهميش و الاقصاء و الحصار التي ظلوا يتعرضون لها منذ ثورة الريف سنتي 1958 و 1959.
تمرد في مراكش
مراكش. بداية يناير 1984…
تمردات و حركات احتجاجية تنبثق من داخل الثانويات و الكليات. تلاميذ و طلبة يرفضون قرار الحكم الذي أراد فرض تعليم عمومي مؤدى عنه.
حكومة الملك، أمام تصاعد التمرد و الاحتجاج تتراجع و تتنكر لقرارها. لكن غضب المواطنين و الناس سيتوجه إلى و سيركز على واقع الفقر قمع الحريات و الطموحات المكبوتة و الكرامة المداسة و المبهدلة في معيشهم اليومي من طرف المخزن و زبانيته أعيان
ثانوية شاعر الحمراء
تلاميذ تجمعوا في ساحة الثانوية. كنا نحن الأساتذة قابعين في قاعة الأساتذة. جاءنا المدير اليزيدي و أنذرنا بالالتحاق بقاعات الدرس.
_ استئناف الدراسة في جو إضراب التلاميذ المتمردين و غضبهم المتواثر يشكل مخاطرة و مجازفة بالنسبة للتلاميذ و الأساتذة و إدارة المؤسسة.
ركب المدير رأسه و إنذاره و صم أذنيه. توجه كل منا لقاعات الدرس.
توجه له أستاذ قائلا:
_ ستكون المسؤول الوحيد إذا حدثت مصيبة!
التحق الأستاذ بقاعة الدرس في الطابق الثاني بالجناح العلمي. قسم تلميذات. التحقن بمقاعدهن. ما أن بدأ الدرس،هجمت على القسم شتاء من الحجارة تهشم زجاج النواقذ الكبيرة و تهطل جارفة معها قطعا من الزجاج على رؤوسنا. أصيبت تلميذة في ذراعها إصابة خفيفة.
ذعر و هلع عظيم عم الفصل. صراخ و بكاء التلميذات يتعالى مع استمرار سقوط الحجارة. تبحث الفتيات على مخبـإ.تتكومن تحت الطاولات أو تبحثن يائسات عن ملاذ يخلصنهن من هذه المصيدة التي زج بهن فيها مدير مؤسسة تعليمية السيد اليزيدي. مدير يفتخر بانتمائه لحزب الاستقلال و يأتمر بأوامر قائد البوليس الرابض و فرقه القمعية خلف البوابة الرئيسية للثانوية.
في الفصل أصبح الوضع غير محتمل. بعض الفتيات فتحن نوافذ الجانب الآخر المطل على ما وراء بنايات الأقسام و ملاعب الثانوية. طلب الاستاذ منهن الهدوء و الإنزواء في الزاوية وراء المكـتب و تحت الطاولات و البقاء قرب الصبورة. الخطر هناك أقل.
وضع اليزيدي مدير المؤسسة الأساتذة و التلاميذ في فخ بالطابق الثاني لجناح القاعات العلمية التس نتعرض للرشق بالحجارة من طرف هياج تلاميذي متصاعد.
و في لحظة، اتجه الاستاذ نحو باب القاعة هدف رشق الحجارة. فتحه. خرج. و قف واضعا يداه على الدرابزين الإسمنتي المطل على الساحة، عرضة لغضب و حجارة التلاميذ. توقف هياجهم و رجمهم ولم يعرف الأستاذ سببا لذلك. أخرج الأستاذ التلميذات واحدة بعد أخرى و اصطحبهن حتى بوابة الثانوية الكبيرة. و قبل أن يلتحق بقاعة الأساتذة، و الغضب يأكله، قصد مدير المؤسسة الصامت العاجز الرابض بباب إدارته و صب عليه كل حنقه.
القمع في ساحة ثانوية شاعر الحمراء
مراكش نهاية الأسبوع الأول من يناير. أشعة شمس شتائية فاترة معتدلة تعلن نهارات جميلة تغري الناس بالانبساط و البهجة و الفرح المراكشي. التلاميذ في ساحة ثانوية شاعر الحمراء فرحين بإضرابهم و بشغبهم العنيف. يرددون شعارات و أناشيد الحرية و الثورة.
قوات القمع أو قوات الأمن و التدخل السريع كما يسميها الحكم في البلاد تعبأت في حالة استتنفار. القوات المساعدة، لـَمـْخَازْنِـيـة، مختلف أنواع البوليس السري في عرباتها تجوب ببزات المعركة أزقة المددينة، تراقب و تترصد المتظاهرين في أمكنة استراتيجية أو فقط أمام المؤسسات التعليمية.
و ما أن تتوجس حركة تبدو في تقديرها غير طبيعية تتدخل بعنف و بهمجية. يجب قمع “الأوباش” المتظاهرين العزل المتظاهرين سلميا، الخارجين عن الطاعة.
اليوم الموالي نظم تلاميذة الثانوية اعتصاما وسط الساحة.
دخل قائد قوات التدخل السريع و حراسه و أمروا بفتح الباب الكبير. دخلت فرقة من أربعين من هذه القوات تقريبا، مسلحين بهراوات.
_ هجوم!…هجوم!…
فوجئ التلاميذ. بالهراوات تهطل على الأجسام الطفولية الحائرة الهاربة بدون اتجاه الساقطة أرضا المحوالة الوقوف و الهرب.. تسقط..لتنهض.. تنهض لتسقط تحت عاصفة الضربات الهمجية.
الأساتذة مشلولون في قاعتهم ينظرون أو يتأمل بألم ساحة الثانوية تُفرغ من تلميذاتها و تلاميذها بضربات الهراوات و الكلمات العاهرة. الفراغ يملأ الساحة. و هراوات قوات القمع قبل أن تتوارى خلف بوابة الثانوية تترصد و تأهب. أقامت حظر االتجول في الساحة.
في لحظة ألم صامت، ظهرت في غفلة من هذا الصمت المريب تلميذة لم تكمل بعد ربيعها الرابع عشر. تائهة من فرط القمع و البحث عن ملاذ. تجري في كل الاتجاهات بدون قرار حتى تجمدت نظراتها الهاربة في اتجاه بوابة الثانوية لما رأت أربعة أفراد من قوات التدخل السريع تتقدمهم هراواتهم يتجهون صوبها. أحست أن كل محاولة هرب لا جدوى لها و تسمرت وسط الساحة. عيناها زائغتان. فمها مذهول. فتحت ذراعيها قبل أن تتكوم على نفسها. لم تستسغ أن يجلب تظاهر التلاميذ في ساحة الثانوية و تكسير زجاجها كل هذا العنف، كل هذا السعار و الحنق. تبحث للحظة الأخيرة عن مخبأ لجسمها النحيل و لعينيها المرهفـتين. مكومة هنا وسط دائرة الهراوات التي تستمر في الانغلاق على جسمها. أحست بأن الكون تخلى عنها. وحيدة هي الآن. هزت رأسها بنظرة تتضرع للأساتذة. و بينهم أساتذتها قابعين مهزومين في قاعتهم يجترون ضعفهم و شللهم.
أفراد من قوات التدخل السريع انقضوا على جسمها بهراواتهم و ركلاتهم. و لم يعد الاساتذة يرون سوى الهراوات تصعد ثم تهوي على الجسم الرهيف. وحدها صرخاتها و آلامها تملأ المكان.
شدها أحد أفراد القمع من شعرها و جرها باتجاه البوابة وهي تقف لتسقط و تسقط لتقف و زج بها في فوركونيت قوات القمع.
بعد أن أكملت قوات القمع قمعها، تقدم قائدها مخفورا بعناصر من فرقته و دخل قاعة الأساتذة حيث لم يستفق هؤلاء بعد من هول ماجرى. كانوا شهداء سلبيين مشلولة إرادتهم يعاينون وحشية قوات القمع و لا يحركون ساكنا.
و بصوت مليئ غطرسة و كراهية و فخر هاجم قائد القمع الأساتذة:
_ أولاد القحبة… هاد الشي اللي كتعلموا لهاد مساخط الوالدين؟!!! انتوما ماتسواو والوا… من راسكم خرجات هاد الفوضى… انتوما اللي خصنا نربيوكوم!!
رجال فرقته بهراواتهم المتحفزة يراقبون حركة ما من قائدهم للانقضاض على الأساتذة.
رجل من فرقته و جهاز الاتصال في يده توجه لقائده:
_ مون كوماندان… يطلبونك مون كوماندان!
أخذ القائد جهاز الاتصال و الصقه بأذنه و خرج من القاعة… ثم أمر مرافقيه كي يتبعوه. مهمة قمعية أخرى تنتظرهم.
حي سيدي يوسف بنعلي
مثال لحصيلة الاجتماعية المزرية للسياسة السائدة
بدأت إضرابات و مظاهرات الطلبة و تلاميذ الثانويات بمراكش و تواصلت تخفت ثم تنهض. خامس يناير 84 كان البدء. مداها اتسع مع خروج الناس و مشاركتهم. المظاهرة الكبيرة تشكلت و سارت في أكبر حي شعبي فقير في مراكش. حي سيدي يوسف بنعلي.
بداية الستينات بدأت هجرة الناس من القرى المجاورة للمدينة. يبحثون عن شغل و يشرعون في بناء مساكن من طين في مساحة تواجه السور المرابطي للمدينة و برعاية السلطات المحلية.
المراكشيون وحدهم يمكنهم الحديث عن الواقع اليومي لمدينتهم ولفقرائها. فقراء يخفون بؤسهم. “كُلْ التـَـْبَنْ وَ دْهَنْ فُـمـكْ بالسْمـَنْ أُو دُوزْ عْلَى عْدُوكْ مْصَبَنْ”. هذا ما ترد به أمهات فقيرات عندما يحتج أطفالها و هم يرشفون بعض شاي و يقضمون بعض خبز قبل أن يذهبوا إلى المدرسة. المظاهر الخفية التي يسكت عنها الإشهار السياحي بطريقة إرادية،والتي يتفادى الزوار القادمون من مناطق مغربية أخرى أو السواح التعرف عليها. مراكش الحقيقة،الفقراء المنسيون والبؤساء المقنعون. مراكش البطالة والجنس.
زوار و سياح مراكش يبحثون عن الحدائق وجمالية المنظر و اللذات العابرة. و يتركون خلفهم أوساخهم و قذاراتهم.
هذا الواقع يعرفه سكان مراكش جيدا،إنهم يعيشون الواقع اليومي لمدينتهم الحقيقة دون تزييف أو تجميل.هل هناك أقبح من الفوارق الموجودة بين فيلات منطقة النخيل وجلييز و باب الجديد و آسيف. ليالي البذخ في الفنادق الفاخرة. المامونية. السعديين. مراكش… الرفاهية و التبذير.. و تلك الأحياء الدواوير الهامشية الطينية. تجمعات إنسانية بئيسة ممثلة لإحدى مظاهر الصراع الطبقي لمدينة مراكش. دوار سيدي يوسف بن علي يترجم بصدق هذه الحقيقة المرة. شاهد مزعج أمام سياسة الهروب والإقصاء التي ظل ينهجها المجلس البلدي للمدينة و السلطات المحلية. منذ بداية القرن20 تطور دوار سيدي يوسف بنعلي بصفة غير مشروعة خارج المدار الحضري للجنوب الشرقي لمراكش. دوار يحمل اسم سيدي يوسف بن علي. سكان هذا الدوار غالبيتهم قرويون. حاربوا لوحدهم لانتزاع الاعتراف بهويتهم كباقي أحياء المدينة. كافحوا لوحدهم دون هوادة لتحسين ظروفهم المادية و إغاثة أقربائهم في القرية حتى سنة 1958 حيث سمعت شكواهم.
سنة 1984 سيكتمل مسلسل تطور إقتصادي وعمراني متميز بتغيير جدري لمكونات تطور سيدي يوسف بنعلي. سكان. شغل. مستوى معيشي و ثقافي هزيل يراوح في هزالته. قد يترجم “تراجع” صفة القروية عن الحي، على الأقل لدى سكانه، اطمئنانا وهميا يصدمه واقع التهميش و العيش كـ”عيشة الذبانة فالبطانة”.
هذه “التغييرات” لم تمر دون أن تكون لها عواقب على البنية العامة للحي التي أصبحت تشبه الشكل الحزين والفقير للدواوير المهمشة ومدن القصدير ذات الكثافة السكانية الجحيمية. لم يعرف، بطبيعة الحال الحي تطورا حقيقيا إقتصاديا وإجتماعيا إلا في المنطقة الإدارية حيث توجد إدارات وزارة الداخلية و أمن المخزن. هذا يقلب بشكل خفيف البنيات الداخلية العتيقة للدوار. إذ يقوم سكان سيدي يوسف بن علي منذ اعتراف السلطات المحلية والبلدية بهذا الحي بتغييرات لتحسين أو لتوسيع منازلهم في فوضى عارمة. كانت السلطات الإدارية تتابع عن قرب ذلك. ولا يفلت من مراقبتها أيا من التغييرات في بناء المنازل المنجزة حتى تفرض هذه السلطات على السكان أداء رشوة تناسب حجم التغييرات في البناء و تهدد بتدمير منازل الذين لا يؤدون. المقدم و القائد و العمل يحملون مشاريع البناء العشوائي في يد و معاول التدمير في اليد الأخرى
ظلت هذه السياسة منهجا في “إحداث” عدد من الأحياء العشوائية في المدينة. دوار إزيكي. دوار الكدية و أكيوض. دوار التونسي. عين إيطي. سقار… سياسة ستشمل كل الدواوير و المجالات الفلاحية المحيطة بمراكش.
ستؤدي سياسة السلطات المحلية و المجالس البلدية المتعاقبة في مدينة مراكش، سياسة الرشوة مقابل البناء العشوائي و سياسة التوسع السرطاني للعمارات و التجزيئات السكنية الحضرية، إلى تدمير 90% من فضائاتها الخضراء في ظرف أربعة عقود. و تدمير ما تبقى لا زال متواصلا.
و كان طبيعيا أن تشكلت و سارت أكبر مظاهرة في أكبر حي شعبي فقير في مراكش. حي سيدي يوسف بنعلي. حي المهمشين و الفقراء. حي “الأوباش” بتعبير الملك الحسن الثاني في خطابه بعد موجة القمع و الاعتقالات و المحاكمات طالت العشرات من شباب مراكش و أطر يسارية من منظمة “23 مارس”.
الاحتجاجات و المظاهرات ستنتقل إلى مدن اخرى في شمال المغرب. الناضور. تطوان. الحسيمة. وجدة… شمال مغرب التهميش و القمع، منذ نهاية سنوات خمسينات القرن العشرين، سيعرف أعنف المظاهرات و القمع الأكثر وحشية.
عبد الغني القباج

تعليقات
إرسال تعليق