13 يناير 1984 كان يوما مشهودا في الحسيمة كانت بداية سنة دامية في الشمال المغربي و مراكش .تاشفين الاندلسي
13 يناير 1984 كان يوما مشهودا في الحسيمة كانت بداية سنة دامية في الشمال المغربي و مراكش .
يكاد الجو ينفجر ، صوت غريب يأتي من بعيد يملأ الفضاء ، لم يعهده من قبل أبدا .
أحس هذا البدوي الصغير الذي لم يألف بعد العيش في المدينة الهادئة بشيء ينذر بخطر ماحق لا يعرف بالضبط تفاصيله ، تماما كما تحس الحيوانات قبيل حدوث زلزال ، إنه استشعار مسبق نابع من الفطرة .
في تلك اللحظة كان موجودا في قسم العلوم الطبيعية ، جالس إلى جانب صديق حميم ، متهور، شبه أحمق ، لكنه ذكي للغاية والذي استشعر نفس الخطر القادم ، فما كان منه إلا أن كسر الصمت المخيم على القسم أمام ذهول الأستاذ "عسة" المتمرد ، معلنا الخروج من القسم.
كان الوقت أصيلا من يوم شتوي جاف ، بدأ الصوت الهائل يقترب رويدا رويدا ليتضح فحواه : إنها مظاهرة عارمة انطلقت من الثانويات الموجودة وسط المدينة . لم تكن له معرفة سابقة بالمظاهرات وهو الطارئ على المدينة حديثا ، لكنه انصهر فيها كالسمكة في مياه البحر المتلاطم ، وكان إلى جانبه صديقه الشبه أحمق يجاهد للوصول إلى مقدمة المظاهرة التي كانت قد اقتحمت المؤسسة التي يدرسون فيها والتي كان بها ورش لبناء مزيد من الأقسام مما أتاح للمتظاهرين التسلح بأخشاب البناء المتواجد هناك بكثرة لمواجهة الجيش والقوات المساعدة .كان الشعار الرئيسي قبل الدخول إلى مؤسستهم هو : "نادت إرادة الطلبة ---نادت لاتحادكم دابا". كان الصوت الجماعي لآلاف المواطنين و هم يرددون هذا الشعار خلف التلاميذ يطغى على الجو فوق المدينة الصغيرة المعهودة بهدوئها ، فاخترق الآفاق وشكل ضغطا هائلا على الآذان كما يفعل الزلزال تماما .
كان المشهد أكبر من أن يستوعبه في تلك المرحلة ، إحساس مختلط بين الرغبة في الثورة وبين الخوف من شيء لم يعهده أبدا في حياته.
الأستاذ "عسة" المتمرد لم يبد أي اعتراض على خروج تلامذته من القسم ، بل كان يشجعهم على الثورة منذ أول حصة ، كان الأستاذ "عسة" أيضا من أصول بدوية تفضحه في ذلك ملامحه و هندامه المتهدل ولهجته الجهورية التي تكاد تكسر زجاج القسم .
تختلط مجاميع المتظاهرين القادمين من كل مناطق المدينة فلم يعد بالإمكان تمييز العمال من البحارة ، ولا المواطنين العاديين من تلاميذ المؤسسات التعليمية .
اكتسح الكل أسوار الإعدادية المتواجدة على الطرف الشمالي من المدينة ولا يفصلها عن البحر إلا منحدر صخري شبه عمودي ، عند سفحه توجد مقابر للمسلمين وأخرى للنصارى وكذلك حيز صغير خصص لمقابر اليهود ، لكن مقبرة النصارى كانت متميزة بنظامها و إيقوناتها المنتصبة فوق الأجداث.
لم يطل الوقت كثيرا قبل أن يحضر الجيش وكان قد تقدمه باشا المدينة في سيارته الذي اقتحم بها الجموع بسرعة جنونية ، فما كان من الحشود الكبيرة والكثيفة إلا أن فتحت وبسرعة غريبة مسلكا كافيا لمرور السيارة التي سيكسر زجاجها تلميذ بواسطة قطعة خشب كانت تستعمل في ورش البناء المجاور ، كان ذلك التلميذ طويل وعريض وبعين واحدة حيث انه كان قد فقد الأخرى أثناء طفولته القاسية .
لم يكن أحد في تلك المدينة ليردعه ويمنعه من الخوض في تلك الانتفاضة ، فهو يسكن في القسم الداخلي للمؤسسة و والديه بعيدين في قرية منسية هناك حيث هم منهمكون في أشغالهم الشاقة ، لا تصلهم الأخبار إلا بعد أن يذهب والده إلى السوق بعد أسبوع .
جحافل الجيش و القوات المساعدة المدججة بالأسلحة تنتشر وسط المدينة و على الجبال المحيطة بها، مناوشات هنا وهناك . ينتظم مع مجموعة من الشباب ، يلتحقون بالجبل المجاور إلى جانب مجموعات أخرى مماثلة ، في حين أن مجموعات أخرى تلتحق بمواقع على الجانب الآخر من المدينة ، فتحصل مواجهات عنيفة تسفر غالبا عن جرحى وقتلى من الجانبين وتطول المواجهة لتوصل الليل بالنهار قبل أن تعطى الأوامر من جهات قيل عنها "عليا" لإطلاق الرصاص بعد أن خرجت المدينة عن السيطرة تماما.
التجأ مسرعا إلى القسم الداخلي مثله في ذلك مثل باقي التلاميذ الآخرين ممن لا أباء لهم في المدينة . هناك في الطابق العلوي كان قد اختبأ "القندس" وهو تلميذ عنيف قليل الكلام ذو قامة قصيرة و رأس كروي الشكل وشعر أشعث ، متسلحا بسيف طويل و كومة كبيرة من أحجار الكلس الصلبة ذات الحواف الحادة ، في لحظة رمى بها مجموعة من أفراد الجيش المدججين بالبنادق الهجومية و المتمترسين خلف شجر الصبار القريب من القسم الداخلي التي تعود ملكيته ل"تشي احمد" حارس المدرسة ، فكان الحجر يصيبهم مباشرة ، فما كان منهم إلا أن أطلقوا زخات من الرصاص الحي على قاعة المطالعة التي اجتمع فيها غالبية التلاميذ معتقدين إنها مصدر الرشق بالحجارة مما جعل الشريط الزجاجي الممتد على طول القاعة يتكسر عن آخره في حين أن التلاميذ كانوا قد انبطحوا أرضا تحت الطاولات مستغلين ذلك الوقت الثمين الذي استغرقه الجنود في فتح معبر داخل الصبار مستعملين أعقاب البنادق وأيديهم رغم الشوك الحاد وذلك من أجل التموقع في موقع يسهل الرمي منه مباشرة نحو القاعة . في هذه الأثناء كانت مجموعة أخرى من الجنود قد وصلت إلى المدخل الرئيسي للقسم الداخلي ذو الباب الزجاجي السميك المطعم بالأسلاك ،لكن حصل أن منعهم المقتصد النحيف مخاطبا إياهم : لن تمروا إلا على جثتي.
كان إحساسه مختلطا في تلك اللحظة و هو يتابع ما يفعله و يقوله المقتصد منتظرا لحظة الإعدام الجماعي ، فهذا المقتصد لطالما كان مكروها أشد الكره من طرف كل التلاميذ من دون استثناء ، لأنه كان حريصا على تجويعهم ، لم يكن ليصدق بسهولة ، يا الاهي انه هو فعلا ، لكن كيف يغامر بحياته هكذا بهذه الطريقة من أجلهم؟ ، هل ما يراه حقيقي ؟ لا يصدق.
في تلك اللحظة كان "أفحشوش" وهو أصغر التلاميذ مختبأ في آنية معدنية كبيرة تستعمل في الطبخ ، كان فعلا ملجأ مناسبا لتلك اللحظة الرهيبة .
فجأة و بعد تراجع الجنود ونهاية الجلبة المختلطة بالنار والدخان وهو ينظر من النوافذ المكسرة إلى المشهد في الخارج تفقد صديقه الحميم الشبه أحمق ، وقد كان يعرف مزاجه جيدا فهو لا يخاف أبدا ، لم يكن ضمن الحاضرين إلى الداخلي في تلك اللحظة الخطيرة والدخان يتصاعد من مناطق عديدة في المدينة و أصوات لعلعة الرصاص تسمع عن قرب ، فجأة يظهر والعرق يتصبب من جبينه في عز فصل الشتاء عند غروب الشمس وهو يصرخ :" لقد سقط ثلاثة أشخاص إلى جانب "حمام الأمل" برصاص الجنود ، لقد كنت إلى جانبهم" . يقولها غير متأثر من المشهد بل يظهر و كأنه يريد العودة لمواجهتهم بصدره العاري لولا منعه من طرف أصدقاءه .
لم تكن العواقب في حسبانه بالبث و المطلق .كم كان عظيما ذلك التلميذ ، لن ينساه أبدا رغم الفراق الطويل ، خصوصا و أنه قد جن فيما بعد عدة مرات و تعرض لهزات أخرى عنيفة أقعدته ستة أشهر في مستشفيات ليست كالمستشفيات ، كان ذلك بعد أن تعافى شيئا من جنونه .
نام تلك الليلة بحذائه أسوة بأصدقاءه على أسرتهم البالية المهترئة ، لينطلق فجرا مع خمسة من رفاقه المقربين متجها إلى قريته البعيدة سالكا أودية عميقة وجبالا شاهقة عبر مسالك و ممرات ضيقة جدا و التي تؤدي في بعض الأحيان إلى أجراف حادة لا ينفع معها إلا التسلق ، كانوا لا يعرفون تلك المسالك من قبل ، لكن الأهالي كانوا يدلونهم كي لا يتيهوا . كم كانت دهشته كبيرة لما التقوا أحد الشيوخ الطاعنين في السن في مدشر مهمش وخاطبهم بلهجة مستنكرة : لم أنتم هاربين؟ ، كان الأجدى بكم الصمود لاستكمال ما بدأناه ، إن الأمر ليس منتهيا بعد يا أبنائي ، عليكم قطع درب طويل ، فان لم تستطيعوا أجعلوها أمانة في أعناق أبنائكم ، فان لم يستطيعوا فليجعلوها أمانة في أعناق أبنائهم حتى ينعتق الوطن .تبين فيما بعد خطوات من ذلك المكان أن الشيخ الهرم كان واحدا ممن شارك في حرب التحرير الريفية بزعامة محمد بن عبد الكريم الخطابي .
تابعوا السير عبر الأحراش و الغابات و الوديان ليصلوا إلى منازلهم و قد انسدل الليل ، فتفاجأ والده بالحضور الغير المنتظر و هو لازال لا يعلم بالذي وقع في المدينة وما هي الأخطار التي كانت محدقة بابنه الذي لم يكن يتجاوز الرابعة عشرة من عمره .
تاشفين الاندلسي
الى روح شهداء انتفاضة يناير 1984
يوم 29/07/2015.

تعليقات
إرسال تعليق